من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
٢٦٩ حلف بِالطَّلَاق لَا يحضر دَعْوَة، وَلَا يشيع جَنَازَة
حَدثنِي عبيد الله بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو أَحْمد الْحُسَيْن بن مُوسَى الموسوي الْعلوِي النَّقِيب، قَالَ: حَدثنِي شيخ كَانَ يخدمني، وَقد تجارينا أَحَادِيث النَّاس، فَقَالَ: إِنَّه حلف بِالطَّلَاق، أَلا يحضر دَعْوَة، وَلَا يشيع جَنَازَة، وَلَا يودع وَدِيعَة، فَسَأَلته عَن ذَلِك.
فَقَالَ: كنت انحدرت إِلَى الْبَصْرَة من بَغْدَاد، فَصَعدت إِلَى بعض مشارع الْبَصْرَة عشَاء، فاستقبلني رجل، فكناني بِغَيْر كنيتي، وبش فِي وَجْهي، وأحفى، وَجعل يسألني عَن قوم لَا أعرفهم، وَيحلف عَليّ فِي النُّزُول عِنْده.
وَكنت غَرِيبا، لَا أعرف مَكَانا، فَقلت: أَبيت عِنْده اللَّيْلَة إِلَى غَد، فأطلب موضعا.
فموهت عَلَيْهِ القَوْل، فجذبني إِلَى منزله، وَكَانَ معي رَحل صَالح، وَفِي كمي دَرَاهِم كَثِيرَة.
فَدخلت إِلَيْهِ، فَإِذا عِنْده دَعْوَة، وَالْقَوْم على نَبِيذ، وَقد خرج لحَاجَة،
فشبهني بصديق لَهُ، وتموه عَلَيْهِ أَمْرِي لسكره.
وَكَانَ فِيمَن عِنْده، رجل لَهُ غُلَام أَمْرَد، فَلَمَّا أخذُوا مضاجعهم للنوم؛ أرقت من بَينهم.
فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة؛ رَأَيْت وَاحِدًا من الْجَمَاعَة، قد قَامَ إِلَى الْغُلَام الْأَمْرَد، ففسق بِهِ، وَرجع إِلَى مَوْضِعه، وَكَانَ قَرِيبا من صَاحب الْغُلَام.
واستيقظ فِي الْحَال صَاحب الْغُلَام، فَتقدم إِلَى غُلَامه ليفسق بِهِ.
فَقَالَ لَهُ: مَا تُرِيدُ؟ ألم تكن السَّاعَة عِنْدِي، وَفعلت بِي كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: لَا.
فَقَالَ: قد جَاءَنِي السَّاعَة من فعل بِي، وظننته إياك، فَلم أتحرك، وَلم أَظن أَن أحدا يَجْسُر عَلَيْك.
فنخر الرجل، وجرد سكينا من وَسطه، وَقَامَ، وَأَنا أرعد، فَلَو كَانَ دنا مني، حَتَّى يجدني أرعد؛ لَقَتَلَنِي، وَظن أَنِّي صَاحب الْقِصَّة.
فَلَمَّا أَرَادَ الله، ﷿، من بَقَاء حَياتِي مَا أَرَادَ، بَدَأَ بِصَاحِبِهِ، فَوضع يَده على قلبه، فَوَجَدَهُ يخْفق، وَقد تناوم عَلَيْهِ، يَرْجُو بذلك السَّلامَة، فَوضع السكين فِي قلبه، وَأمْسك فَاه، فاضطرب الرجل، وَتلف.
فَأخذ الرجل بيد غُلَامه، وَفتح الْبَاب، وَانْصَرف.
فورد عَليّ أَمر عَظِيم.
وَقلت: أَنا غَرِيب، وينتبه صَاحب الْبَيْت، فَلَا يعرفنِي، وَلَا يشك فِي أَنِّي صَاحب الْجِنَايَة، فأقتل.
فَتركت رحلي، وَأخذت رِدَائي، ونعلي، وَطلبت الْبَاب، فَلم أزل أَمْشِي، لَا أَدْرِي أَيْن أقصد، وَاللَّيْل منتصف، وَخفت العسس، فَرَأَيْت
أتون حمام لم يُوقد بعد.
فَقلت: أختبئ فِيهِ، إِلَى أَن يفتح الْحمام، فَأدْخلهُ، فَجَلَست فِي كسر الأتون.
فَمَا لَبِثت حينا، حَتَّى سَمِعت وَقع حافر، وَإِذا بِرَجُل يَقُول: قد رَأَيْتُك يَابْنَ الفاعلة، وَدخل الأتون، وَأَنا كالميت من الْفَزع، لَا أتحرك، فَلَمَّا لم يجد حسا، أَدخل رَأسه وَيَده، يُومِئ بِسيف مَعَه فِي الأتون، وَأَنا بعيد عَن أَن ينالني السَّيْف، صابر، مستسلم.
فَلَمَّا لم يحس أحدا؛ خرج إِلَى بَابه، وَإِذا مَعَه جَارِيَة، فَأدْخلهَا الأتون، فذبحها، وَتركهَا وَمضى.
فَرَأَيْت بريق خلخالين فِي رِجْلَيْهَا، فانتزعتهما مِنْهَا، وَخرجت، وَمَا زلت أَمْشِي فِي الطَّرِيق متحيرا، إِلَى أَن صرت إِلَى بَاب حمام قد فتح، فدخلته، وخبأت مَا معي فِي ثِيَابِي، عِنْد الحمامي.
وَخرجت وَقد أَصبَحت، فضممت الخلخالين إِلَى مَا معي، وَطلبت الطَّرِيق، فَعرفت أَنِّي بِالْقربِ من دَار صديق لي، فطلبتها، فدققت بَابه، فَفتح لي، وسر بمقدمي، وأدخلني.
فَدفعت إِلَيْهِ منديلي الَّذِي كَانَ فِيهِ دراهمي والخلخالين؛ ليخبئهما، فَلَمَّا نظر إِلَيْهِمَا تغير وَجهه.
فَقلت: مَا لَك؟
فَقَالَ: من أَيْن لَك هَذَانِ الخلخالان؟ فَأَخْبَرته بخبري كُله فِي لَيْلَتي، فَدخل مسرعا إِلَى دَار حرمه، وَخرج إِلَيّ.
فَقَالَ: أتعرف الرجل الَّذِي رَأَيْته قتل الْجَارِيَة؟ قلت: أما بِوَجْهِهِ فَلَا؛ لِأَن اللَّيْل والظلمة كَانَت حائلة بَيْننَا، وَلَكِن إِن سَمِعت كَلَامه عَرفته.
فأعد طَعَاما، وَغدا فِي أمره، وَعَاد بعد سَاعَة، وَمَعَهُ رجل شَاب من الْجند، فَكَلمهُ، وغمزني عَلَيْهِ.
فَقلت: نعم، هَذَا هُوَ الرجل.
ثمَّ أكلنَا، وَحضر الشَّرَاب، فَحمل عَلَيْهِ بالنبيذ، فَسَكِرَ، ونام مَوْضِعه، فأغلق بَاب الدَّار، وَذبح الرجل.
وَقَالَ لي: إِن المقتولة أُخْتِي، وَكَانَ هَذَا قد أفسدها، ونمى الْخَبَر إِلَيّ مُنْذُ أَيَّام فَلم أصدق، إِلَّا أَنِّي طردت أُخْتِي، وأبعدتها عني، فمضت إِلَيْهِ، وَلست أَدْرِي مَا كَانَ بَينهمَا، حَتَّى قَتلهَا، وَإِنَّمَا عرفت الخلخالين وَدخلت فسألتها عَنْهَا.
فَقيل لَهَا: هِيَ عِنْد فلَان.
فَقلت: قد رضيت عَنْهَا، فوجهوا، فردوها، فلجلجوا فِي القَوْل، فَعلمت أَن الرجل قد قَتلهَا كَمَا ذكرت، فَقتلته، فَقُمْ حَتَّى ندفنه.
فخرجنا لَيْلًا، أَنا وَالرجل، حَتَّى دفناه، وعدت إِلَى المشرعة، هَارِبا من الْبَصْرَة، حَتَّى دخلت بَغْدَاد.
وَحلفت أَلا أحضر دَعْوَة أبدا، وَلَا أودع وَدِيعَة أبدا.
وَأما الْجِنَازَة، فَإِنِّي خرجت بِبَغْدَاد، نصف النَّهَار، فِي يَوْم حَار، لحَاجَة، فاستقبلتني جَنَازَة يحملهَا نفسان.
فَقلت: غَرِيب، فَقير، أحملها مَعَهُمَا فأثاب، فَدخلت تحتهَا، بَدَلا من أحد الحمالين.
فحين اسْتَقَرَّتْ على كَتِفي؛ افتقدت الْحمال، فَلم أَجِدهُ، فَصحت: يَا حمال، يَا حمال.
فَقَالَ الآخر: امش، واسكت، قد انْصَرف الْحمال.
فَقلت: السَّاعَة، وَالله، أرمي بهَا.
فَقَالَ الْحمال: وَالله، لَئِن فعلت لأصيحن.
فَاسْتَحْيَيْت، وَقلت: ثَوَاب، فحملناها إِلَى مَسْجِد الْجَنَائِز، فَلَمَّا حططنا الْجِنَازَة فِي مَسْجِد الْجَنَائِز؛ هرب الْحمال الآخر.
فَقلت: مَا لهَؤُلَاء الملاعين، وَالله، لأتمن الثَّوَاب، فأخرجت من كمي دَرَاهِم، وَصحت: يَا حفار، أَيْن قبر هَذِه الْجِنَازَة؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي.
فَقلت: أحفر، فَأخذ مني دِرْهَمَيْنِ، وحفر قبرا.
فَلَمَّا صوبت عَلَيْهِ الْجِنَازَة؛ ليَأْخُذ الْمَيِّت فيدفنه، وثب الحفار من الْقَبْر فلطمني، وَجعل عمامتي فِي رقبتي، وَصَاح: يَا قوم، قَتِيل، فَاجْتمع النَّاس، فَسَأَلُوهُ.
فَقَالَ: هَذَا الرجل، جَاءَ بِهَذَا الْمَيِّت، بِلَا رَأس؛ لأدفنه، وَحل الْكَفَن، فوجدوا الْأَمر على مَا قَالَه الْأَمر على مَا قَالَه الحفار.
فدهشت، وتحيرت، وَجرى عَليّ من مَكْرُوه الْعَامَّة، مَا كَادَت نَفسِي تتْلف مَعَه.
ثمَّ حملت إِلَى صَاحب الشرطة، وَأخْبر الْخَبَر، فَلم يرد شَاهدا عَليّ، فجردت للسياط، وَأَنا سَاكِت باهت.
وَكَانَ لَهُ كَاتب عَاقل، فحين رَآنِي، وَرَأى حيرتي، قَالَ لَهُ: أَنْظرنِي، حَتَّى أكشف حَال هَذَا الرجل، فَإِنِّي أَحْسبهُ مَظْلُوما، فأمهله.
فَقَامَ، وخلا بِي، وساءلني، فَأَخْبَرته خبري، وَلم أَزْد فِيهِ وَلم أنقص.
فنحى الْمَيِّت عَن الْجِنَازَة، وفتشها، فَوجدَ عَلَيْهَا مَكْتُوبًا: إِنَّهَا لِلْمَسْجِدِ الْفُلَانِيّ، فِي النَّاحِيَة الْفُلَانِيَّة.
فَأخذ مَعَه رِجَاله وَمضى، فَدخل الْمَسْجِد متنكرا، فَوجدَ فِيهِ خياطا، فَسَأَلَهُ عَن جَنَازَة هُنَاكَ، كَأَنَّهُ يُرِيد أَن يحمل عَلَيْهَا مَيتا لَهُ.
فَقَالَ الْخياط: لِلْمَسْجِدِ جَنَازَة، إِلَّا أَنَّهَا قد أخذت مِنْهُ الْغَدَاة؛ لحمل ميت، وَلم ترد.
قَالَ: من أَخذهَا؟ قَالَ: أهل تِلْكَ الدَّار، وَأَوْمَأَ إِلَيْهَا.
فكبسها الْكَاتِب برجالة الشرطة، فَوجدَ رجَالًا عزابا، فَقبض عَلَيْهِم، وَحَملهمْ إِلَى الشرطة، وَأخْبر صَاحب الشرطة بالْخبر.
وَقرر الْقَوْم، فأقروا أَنهم تغايروا على غُلَام أَمْرَد كَانَ مَعَهم، فَقَتَلُوهُ، وطرحوا رَأسه فِي بِئْر حفروها فِي الدَّار، وَحَمَلُوهُ على تِلْكَ الصُّورَة، وَأَن الحمالين كَانَا من جملَة الْقَوْم، وعَلى أصل هربا.
فَضربت أَعْنَاق الْقَوْم، وخلي سبيلي.
فَهَذَا سَبَب يَمِيني فِي أَلا أحضر جَنَازَة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع