تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

٢٧٠ ابْن قمير الْموصِلِي وَقع فِي ورطة وتخلص مِنْهَا

وحَدثني عبيد الله بن مُحَمَّد الصروي، قَالَ: حَدثنِي ابْن قمير، مُجَلد الْكتب، كَانَ، بالموصل، قَالَ: أَعْطَانِي أَبُو عبد الله بن أبي الْعَلَاء بن حمدَان، دفترا أجلده، وأكد عَليّ الْوَصِيَّة فِي حفظه، فَأَخَذته مِنْهُ، ومضيت إِلَى دكاني.

وَكَانَ طريقي على دجلة، فَنزلت إِلَى مشرعة أتوضأ، فَسقط الدفتر من كمي فِي المَاء، فتناولته عجلا قبل أَن يغرق، وَقد ابتل، فَقَامَتْ قيامتي، وَلم أَشك أَنه سيجزي عَليّ مَكْرُوه شَدِيد من أبي عبد الله، من ضرب، وَحبس، وَأخذ مَال، فَعمِلت على الْهَرَب من الْموصل.

ثمَّ قلت: أجففه، وأجلده، وأجتهد فِي أَن أسلمه إِلَى غُلَام لَهُ، وَهُوَ لَا يعلم، واستتر، فَإِن ظهر الحَدِيث؛ هربت، وَإِن كفى الله، تَعَالَى، ذَلِك، وتمت عَلَيْهِ الْحِيلَة ظَهرت.

فحللته، وجففته، وثقلته، حَتَّى رَجَعَ واستوى، أَكثر مَا يُمكن من مثله، وجلدته، وتأنقت فِي التجليد.

فَلَمَّا فرغت مِنْهُ؛ جِئْت إِلَى الْحَاجِب لأسلمه إِلَيْهِ من بَاب الدَّار وأمضي، فصادفت الْحَاجِب جَالِسا فِي الدهليز، فَسلمت إِلَيْهِ الدفتر.

فَقَالَ: ادخل إِلَيْهِ، وادفعه من يدك إِلَى يَده، فَلَعَلَّهُ يتوقعك، وَلَعَلَّه يَأْمر لَك بِشَيْء.

فَقلت: لَا أُرِيد، فَإِنِّي مستعجل.

فَقَالَ: لَا يجوز، وَلم يدعني حَتَّى دخلت إِلَيْهِ، فَلم أَشك أَن ذَلِك من سوء الِاتِّفَاق عَليّ، الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَكْرُوه، ومشيت فِي الصحن وَأَنا فِي صُورَة عَظِيمَة من الْهم.

فَوجدت أَبَا عبد الله جَالِسا على بركَة مَاء فِي صحن دَاره، والغلمان قيام على رَأسه، فأخرجت الدفتر من كمي.

فَقَالَ لأحد غلمانه: خُذْهُ من يَده، وهاته.

فجَاء الْغُلَام من جَانب الْبركَة، وَأَنا من الْجَانِب الآخر، وَمد يَده ليأخذه، فأعطيته إِيَّاه، فَلم يتَمَكَّن فِي يَده، حَتَّى سقط الدفتر فِي الْبركَة، وغاص إِلَى قعرها.

فجن أَبُو عبد الله، وَشتم الْغُلَام، وَقَالَ: مقارع، مقارع.

فحمدت الله، ﷿، على استتار أَمْرِي من حَيْثُ لَا أحتسب، وكفايتي مَا كنت أخافه.

وَخرجت، والغلام يضْرب.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.