من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
٢٧١ واسطي أتلف مَاله وافتقر ثمَّ صلح حَاله بعد أهوال
حَدثنِي عبيد الله بن مُحَمَّد الصُّورِي، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: كَانَ فِي جوارنا بواسط، شَاب أتلف مَاله فِي اللّعب، فافتقر فقرا شَدِيدا، ثمَّ رَأَيْته بعد ذَلِك بِمدَّة، وَقد أثرى، وصلحت حَاله، وَأَقْبل على شَأْنه.
فَقلت لَهُ: مَا سَبَب هَذَا؟ فدافعني.
ثمَّ قَالَ: أحَدثك، وتكتم عَليّ؟ فَقلت: نعم.
فَقَالَ: إِن الْفقر بلغ بِي إِلَى حَال تمنيت مَعهَا الْمَوْت، وَولدت امْرَأَتي ذَات لَيْلَة، وَكَانَت لَيْلَة الْعِيد، فَلم يكن معي مَا أَشْتَرِي لَهَا مَا يمسك رمقها، فَخرجت على وَجْهي، أطلب من أَتصدق مِنْهُ شَيْئا أَعُود بِهِ إِلَى امْرَأَتي.
فأفضيت إِلَى زقاق طَوِيل لَا أعرفهُ، فَدخلت، فَإِذا هُوَ لَا ينفذ، وَإِذا فِيهِ بَاب دَار مَفْتُوح، ومستراح.
فَدخلت الدَّار بِغَيْر إِذن، فَإِذا بِرَجُل يطْبخ قدرا، فصاح عَليّ، وَقَالَ: من أَنْت، وَيلك؟، فقصصت عَلَيْهِ خبري.
فَقَالَ: امْضِ إِلَى ذَلِك الْبَيْت، واجلس إِلَى أَن أفرغ من الْقدر، فأعطيك مِنْهَا مَعَ الْخبز شَيْئا إِلَى امْرَأَتك، وَنَفَقَة تكفيك أَيَّامًا.
فَدخلت الْبَيْت، فَرمى إِلَيّ كسَاء، وَقَالَ: تغط بِهِ، ونم سَاعَة.
وَكَانَت لَيْلَة بَارِدَة، وَكنت بقميص وَاحِد، فتغطيت بالكساء، وانضجعت، وَلم يدْخل عَيْني النّوم، لما بِي من الْجُوع وَالْغَم.
فَمَا لَبِثت أَن جَاءَ رجل عُرْيَان، فَدخل وعَلى رَأسه شَيْء ثقيل، فَقَامَ الَّذِي يطْبخ، فأغلق الْبَاب، وَأنزل مَا كَانَ على رَأسه.
وَقَالَ لَهُ: وَيلك، غبت، حَتَّى أَيِست مِنْك.
فَقَالَ: كنت يومي وليلتي، مختبئا خلف حطب لَهُم، حَتَّى تمكنت من أَخذ هَذِه البدرة، وَمَا أَدْرِي أدنانير هِيَ، أم دَرَاهِم؟ وَأَنا ميت جوعا، فأطعمني شَيْئا.
قَالَ: فَأخذ الرجل يغْرف من الْقدر، وَمضى الْعُرْيَان فَلبس شَيْئا، وَجَاء إِلَى الآخر، وَقد غرف، فَجعلَا يأكلان، وَقد خرجت نَفسِي فَزعًا.
فَلَمَّا أكلا؛ أخرجَا شرابًا، وَجعلا يشربان، وَأَنا متحير لَا أَدْرِي مَا أصنع، وَلست أجترئ أطلب من الرجل شَيْئا.
وَأَقْبل الْعُرْيَان يشرب أَكثر من الآخر الَّذِي كَانَ يطْبخ، وَجعل الَّذِي كَانَ يطْبخ، يَقُول لَهُ: استكثر من الشّرْب لتدفأ، إِلَى أَن سكر الْعُرْيَان، ونام.
فَقَامَ الأول، فَطَافَ فِي الدَّار، ثمَّ جَاءَنِي، فكلمني فسكتّ؛ خوفًا من أَن يعلم أَنِّي قد علمت بقصتهما، فَيَقْتُلنِي، فَظن أنني قد نمت.
فَمضى إِلَى النَّائِم، فذبحه، ثمَّ أمْسكهُ حَتَّى مَاتَ، ثمَّ لفه فِي كسَاء، وَحمله على عَاتِقه، وَخرج من الدَّار.
فَقلت لنَفْسي: لأي شَيْء قعودي؟
فَقُمْت، فَجئْت إِلَى البدرة، فجعلتها فِي الكساء الَّذِي كَانَ عَليّ، وَخرجت أسعى سعيا شَدِيدا.
فَلم أزل كَذَلِك، حَتَّى رَأَيْت مَسْجِدا قد فَتحه إِنْسَان، وَخرج مِنْهُ، وَجلسَ يَبُول، فدخلته، وَجَاء الرجل الَّذِي كَانَ يَبُول، فدخله، وأغلق بَابه.
وَقَالَ لي: أَي شَيْء أَنْت؟ فَقلت: غَرِيب، جِئْت السَّاعَة من السوَاد، وَلم أجسر أَن أتجاوز هَذَا الْموضع، فأجرني، أجارك الله.
فَقَالَ: نم مَكَانك، فَتركت البدرة تَحت جَنْبي واتكأت عَلَيْهَا.
فَلم ألبث حَتَّى سَمِعت فِي الطَّرِيق صَوت رجل يسْعَى سعيا شَدِيدا، وَإِذا كَلَام صَاحِبي بِعَيْنِه، وَهُوَ يَقُول: عَملهَا ابْن الزَّانِيَة، ويلي على دَمه.
فأبصرته من شباك الْمَسْجِد، وَإِذا فِي يَده خنجر مُجَرّد، وَهُوَ يتَرَدَّد ذَاهِبًا وجائيا، وأعماه الله عَن دُخُول الْمَسْجِد، إِلَى أَن مضى.
وَلم أزل ساهرا لَا يحملني النّوم؛ خوفًا مِنْهُ، وإشفاقا على مَا معي، إِلَى أَن أَضَاء الصُّبْح، وَأذن فِي الْمَسْجِد.
وَخرجت كَأَنِّي أتوضأ، وحملت مَا معي، ومشيت، وَالنَّاس قد كَثُرُوا فِي الطَّرِيق، حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى بَيْتِي، فأخفيت مَا جِئْت بِهِ، وأصلحت حَالي، وَحَال زَوْجَتي.
ثمَّ خرجت إِلَى ضَيْعَة، كَانَت لأبي، خراب، فأقمت بهَا مُدَّة، حَتَّى عمرتها بِأَكْثَرَ ذَلِك المَال، وَعلمت أَنه لَا يتَّفق مثل هَذَا الِاتِّفَاق أبدا، ولزمت شأني، وصلحت حَالي.
قَالَ: فَقَالَ أبي: مَا حدثت بِهَذَا الحَدِيث حَتَّى مَاتَ الرجل، وَلَا أُسَمِّيهِ أبدا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع