تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

اللجاج شُؤْم

حَدثنِي أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الْأَنْبَارِي الشَّاهِد، بِبَغْدَاد، أحد كتاب قضاتها وخلفائهم، وَيعرف أَيْضا بـ: صهر القَاضِي ابْن سيار، الَّذِي كَانَ يخلف القَاضِي أَبَا الْقَاسِم التنوخي، ﵀، على أَعمال نواحي وَاسِط وكور الأهواز، وَخلف بعده عدَّة قُضَاة رُؤَسَاء، وَكَانَ من شُيُوخ غلْمَان أبي الْحسن الْكَرْخِي، وَقد رَأَيْت أَنا أَبَا الْحسن هَذَا كثيرا عِنْد أبي، ﵁، وَلم أسمع هَذَا الحَدِيث مِنْهُ، قَالَ: حَدثنِي شيخ من الْبَصرِيين، أَثِق بِهِ، قَالَ: عادلت فلَانا القَاضِي، ذكره ابْن مرغول، ﵀، وأنسيه مُحَمَّد بن مُحَمَّد، إِلَى الْحَج.

قَالَ: وتشاجر رجلَانِ فِي الرّفْقَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا من الْقَافِلَة.

قَالَ: وجذبهما ذَلِك القَاضِي إِلَيْهِ، وَلم يزل يتوسط بَينهمَا ويترقق بهما، وَقد اسْتعْمل كل وَاحِد مِنْهُمَا اللجاج والمشاحنة، وَأَقَامَا عَلَيْهَا، وَهُوَ يصبر عَلَيْهِمَا، وَيَقُول: اللجاج شُؤْم فَلَا تستعملانه، ويكرر هَذِه اللَّفْظَة، إِلَى أَن فصل بَينهمَا.

فَقَالَ لي: أذكرني حَدِيثا فِي اللجاج، جرى على يَدي، لَك فِيهِ، وَلكُل من سَمعه أدب.

قَالَ: فأذكرته بعد وَقت.

فَقَالَ: كنت أتولى الْقَضَاء، فِي الْبَلَد الْفُلَانِيّ، فَتقدم إِلَيّ رجلَانِ، فَادّعى أَحدهمَا على الآخر عشْرين دِينَارا.

فَقلت للْمُدَّعى عَلَيْهِ: مَا تَقول؟ فَقَالَ: لَهُ عَليّ ذَلِك، إِلَّا أَنِّي عبد لآل فلَان، مكَاتب، مَأْذُون لي فِي التَّصَرُّف، واتجرت، فخسرت، وَلَيْسَ معي مَا أعْطِيه، وَقد عاملني هَذَا الرجل سِنِين كَثِيرَة، وَربح عَليّ أَضْعَاف هَذِه الدَّنَانِير مرَارًا، فَإِن رأى القَاضِي أَن يسْأَله الرِّفْق بِي، فَإِنِّي عبد، وَضَعِيف، وَلَا حِيلَة لي.

فَسَأَلته أَن يرفق بِهِ، ويؤخره، فَامْتنعَ.

فَقلت: قد سَمِعت.

فَقَالَ: مَا لي حِيلَة.

فَقَالَ الرجل: احبسه لي.

فَعَاد العَبْد يسألني، فَسَأَلته أَن لَا يفعل، وَبكى العَبْد، فرققت لَهُ، وَسَأَلت خَصمه أَن لَا يحْبسهُ، وَأَن ينظره.

فَقَالَ: لَا أفعل.

فَقَالَ العَبْد: إِن حَبَسَنِي أهلكني، وَوَاللَّه مَا أرجع إِلَى شَيْء، وَإنَّهُ ليضايقني، ويلج فِي أَمْرِي، وَقد انْتفع مني بأضعاف هَذِه الدَّنَانِير، وَورث مُنْذُ أَيَّام من أخي أُلُوف دَنَانِير، فأشير عَليّ بمنازعته إِلَى القَاضِي فِي الْمِيرَاث، فَلم أفعل.

قَالَ: فحين قَالَ ذَلِك، توجه لي وَجه طمع فِي خلاصه من لجاج ذَلِك الْغَرِيم، وَقد كَانَ غاظني بلجاجه ومحكه.

فَقلت: كَيفَ ورث أَخَاك، وَأَرَدْت منازعته؟

فَقَالَ: إِن أخي كَانَ عبدا لَهُ، مَأْذُونا لَهُ فِي التَّصَرُّف، وَكَانَ يتجر ويتصرف، وَيُؤَدِّي إِلَيْهِ ضريبته، وَجمع مَالا وأمتعة، بِأَكْثَرَ من ثَلَاثَة آلَاف دِينَار، ثمَّ مَاتَ، وَلم يخلف أحدا غَيْرِي، وَأَنا رجل ضَعِيف مَمْلُوك، ولي ابْنَانِ طفلان من امْرَأَة حرَّة، وهما حران، فَأَنا أعولهما، وأعول نَفسِي وزوجتي، وأؤدي إِلَى مولَايَ ضريبته، فطمعت فِي أَن أنازعه فِي الْمِيرَاث، وآخذ شَيْئا أَعُود بِهِ على نَفسِي وأولادي وعيالي، فَقيل لي: إِنَّك لَا تَرث، فَلم أحب منازعته؛ صِيَانة لَهُ، وَهُوَ الْآن يضايقني.

قَالَ: فَقلت للرجل: هُوَ كَمَا قَالَ، إِن أَخَاهُ كَانَ عَبدك، وَمَات، وَخلف عَلَيْك تَرِكَة قيمتهَا ثَلَاثَة آلَاف دِينَار؟ قَالَ: نعم.

فَقلت لَهُ: وَلِهَذَا العَبْد طفلان حران؟ قَالَ: نعم.

فَقلت: قُم، فَأَخَّرَهُ بِالدَّنَانِيرِ، وَلَا تطالبه بهَا.

فَقَالَ: مَا أَبْرَح إِلَّا بِالدَّنَانِيرِ، أَو بحبسه.

فَقلت: أقبل رَأْيِي، وَلَا تلج.

فَقَالَ: لَا أفعل.

فَقلت: إِنَّك مَتى لم تفعل؛ خرج من يدك مَال جليل.

فَقَالَ: لَا أفعل.

قَالَ: فَقلت للْعَبد: قد أَذِنت لَك أَن تَتَكَلَّم عَن ابنيك الطفلين، وهما، على مَذْهَب عبد الله بن مَسْعُود وَهُوَ مذهبي، أَحَق بِالْمِيرَاثِ من مَوْلَاهُ، وَإِن كنت أَنْت حَيا، فَإنَّك بِمَنْزِلَة الْمَيِّت للعبودية، فطالبه عَن ابنيك الحرين الطفلين بِالتَّرِكَةِ.

قَالَ: فطالبه بهَا.

فأحضرت الشُّهُود، فَأَعَادَ الْخُصُومَة وَالدَّعْوَى، وَلم أزل بالمولى، حَتَّى أسمعت الشُّهُود إِقْرَاره بِمَا كَانَ أقرّ بِهِ عِنْدِي، ثمَّ حكمت للابنين الطفلين بِالتَّرِكَةِ، وانتزعت جَمِيعهَا من يَده، وسلمت إِلَيْهِ مِنْهَا عشْرين دِينَارا؛ لما أقرّ لَهُ العَبْد بِهِ، وَجعلت ذَلِك دينا عَلَيْهِ لابْنَيْهِ.

وسلمت مِقْدَار ثمن العَبْد، من مَال الطفلين، إِلَى أَمِين من أمنائي، وَقلت: اشْتَرِ أباهما من مَوْلَاهُ بِهَذِهِ الدَّنَانِير، واعتقه عَلَيْهِمَا، فَفعل.

وَجعلت بَاقِي مَال الطفلين فِي يَد أَبِيهِمَا، وَأمين جعلته عَلَيْهِ مشرفا، وَأمرت الْأَب أَن يتجر لَهما بِالْمَالِ، وَيَأْخُذ ثلث الرِّبْح، بِحَق قِيَامه، وحكمت بِالْجَمِيعِ، وأشهدت على إنفاذي الحكم لَهُ الشُّهُود.

فَقَامَ العَبْد، وَهُوَ فرحان، وَقد فرج الله عَنهُ، وآمنه أَن يحبس، وعتقت رقبته، وَصَارَ مُوسِرًا.

وَقَامَ اللجوج خاسرا حائرا، وَقد أَخذ عشْرين دِينَارا، وَأعْطى ثَلَاثَة آلَاف دِينَار.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.