من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
ابْن عبدون الْأَنْبَارِي الْكَاتِب يكْسب فِي لَيْلَة وَاحِدَة مائَة ألف دِينَار
قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كتاب (الوزراء): حُكيَ عَن مُحَمَّد بن خلف، الْمَعْرُوف بـ: ابْن عبدون الْأَنْبَارِي الْكَاتِب، أَنه قَالَ: بَيْنَمَا أَنا يَوْمًا أدرج فِي بعض سِكَك الْمَدِينَة، وَكَانَت حِينَئِذٍ لَا يدخلهَا رَاكِبًا إِلَّا من لَهُ نباهة، إِذْ سَمِعت خَلْفي وَقع حوافر، فَنَظَرت فَإِذا يُوسُف بن الْوَلِيد الْأَنْبَارِي، وَكَانَت بيني وَبَينه مَوَدَّة وقرابة، فَلم أسلم عَلَيْهِ.
فَقَالَ لي: من أَيْن يَا أَبَا عبد الله؟ فَقلت: إِنِّي كسرت هَذِه السّنة ثَلَاثَة آلَاف فَرسَخ، وانصرفت وَأَنا سبروت.
فَقَالَ لي: ثَلَاثَة آلَاف فَرسَخ؟ قلت: نعم، مضيت إِلَى مصر، فأخفقت، ثمَّ مضيت إِلَى فَارس، ثمَّ إِلَى كرمان، ثمَّ إِلَى خُرَاسَان، وانقلبت إِلَى أذربيجان، وانصرفت بِغَيْر شَيْء، وَأَنا أَتَمَنَّى أَن يهب الله، تَعَالَى، قوتا، فأتمونه فِي بلدي.
فَقَالَ لي: كم يَكْفِيك من الرزق؟
فَقلت: إِن كَانَ فِي بلدي، فخمسة عشر دِينَارا فِي كل شهر، أتقوت بهَا أَنا وعيالي، وَهُوَ مَا لَا فضل فِيهِ لشَهْوَة وَلَا نائبة.
فَقَالَ: كن معي.
فاتبعته، فَصَارَ بِي إِلَى ديوَان فِيهِ كتاب، وحجرة لَطِيفَة، فدخلتها، فَإِذا فِي صدرها الْفضل بن مَرْوَان، وَهُوَ يكْتب حِينَئِذٍ للمعتصم، وَهُوَ أَمِير، فوصفني للفضل، ورغبه فِي استخدامي، فَرمى إِلَيّ الْفضل بِكِتَاب، وَقَالَ: أجب عَنهُ بِمَا يجب.
فاستعلمت مِنْهُ الدُّعَاء، وأجبت الرجل عَن الْكتاب، وعرضته عَلَيْهِ، فَرضِي خطي ولفظي.
وَقَالَ لي: كم يَكْفِيك فِي كل شهر الرزق؟ فَقَالَ لَهُ يُوسُف: الَّذِي ذكر أَنه يقنعه خَمْسَة عشر دِينَارا فِي كل شهر.
فَقَالَ: هَذَا قوت، وَلَا بُد من استظهار لنائبة، وَلَكِن قد جَعلتهَا ثَلَاثِينَ دِينَارا فِي كل شهر، فَقبلت يَده.
فَقَالَ: الزمني ليلك ونهارك، طلبتك أم لم أطلبك، فَإِن الْمُلَازمَة رَأس مَال الْكَاتِب.
قَالَ: فَلَزِمته كَمَا رسم.
وَكَانَ صَالح بن شيرزاد، يخلفه فِي دَار المعتصم، وَقد استولى على المعتصم، بحيلته وتلطفه، على حمارية كَانَت فِيهِ، وَكره ذَلِك الْفضل بن مَرْوَان، واجتهد فِي قلعه، فَلم يتَمَكَّن.
فَقَالَ لي يَوْمًا، مَا فِي نَفسه من ذَلِك، وَقَالَ: أَنا أحب أَن أجعلك مَكَانَهُ، إِلَّا أَنِّي أَتَخَوَّف أَن تسلك مسلكه، فَهَل فِيك خير؟ فَقلت: قد عرفت أخلاقي وطبعي، فَإِن كنت عنْدك مِمَّن يصلح للخير، وَإِلَّا فَلَا تثق إِلَيّ.
فَكَانَ فِي هَذَا التَّدْبِير، حَتَّى حدث أَمر القبط بِمصْر، فندب الْمَأْمُون أَخَاهُ أَبَا إِسْحَاق؛ لمحاربتهم، فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ.
فَخرج أَبُو إِسْحَاق إِلَى مصر، وَمَعَهُ الْفضل بن مَرْوَان، واستخلف صَالح بن شيرزاد بِحَضْرَة الْمَأْمُون، فِيمَا لَا يضرّهُ أَن يغلب عَلَيْهِ، وسله عَن المعتصم، وَجَعَلَنِي مَكَانَهُ، وشخصنا.
فكسبت مَعَ المعتصم، فِي لَيْلَة وَاحِدَة، مائَة ألف دِينَار حَلَالا طيبا، وَذَلِكَ أَن الْقَتْل كثر فِي أهل مصر، وجلا الْبَاقُونَ، وأشرف الْبَلَد على الخراب.
وشق ذَلِك على الْمَأْمُون، وَأنْكرهُ على أبي إِسْحَاق إنكارا شَدِيدا، فَكَانَ فِيمَا رَآهُ تسكين النَّاس، وردهم إِلَى مصر.
فوردت عَليّ فِي يَوْم وَاحِد، كتب جمَاعَة من رُؤَسَاء الْبَلَد، يسْأَلُون الْأمان لَهُم.
فَقلت للفضل فِي ذَلِك.
فَقَالَ: أجبهم إِلَى مَا التمسوا، وأجب كل من سَأَلَ مثل ذَلِك.
فَكتبت فِي لَيْلَة، لمِائَة رجل، أَمَانًا، فظهروا، وَبعث إِلَيّ كل وَاحِد مِنْهُم، من ثَلَاثَة آلَاف دِينَار، إِلَى ألف دِينَار، إِلَى خمس مائَة دِينَار، وَبَعْضهمْ لم يبْعَث إِلَيّ شَيْئا.
فحصلت مَا اجْتمع لي، فَكَانَ مائَة ألف دِينَار، وأحييت مائَة إِنْسَان، وفرجت عَنْهُم، وَعَن أتباعهم، وَمن يلوذ بهم، وكشفت كربَة عَظِيمَة عَن أبي إِسْحَاق.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع