من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
ابْن الطَّبَرِيّ الْكَاتِب النَّصْرَانِي تجلب لَهُ التَّوْفِيق رفسة حصان
وجدت فِي بعض الْكتب: أَن عبد الله، الْمَعْرُوف بـ: ابْن الطَّبَرِيّ النَّصْرَانِي الْكَاتِب، قدم سر من رأى يلْتَمس التَّصَرُّف، فَلَزِمَ الدَّوَاوِين مُدَّة، إِلَى أَن نفدت نَفَقَته، وانقطعت حيلته، وَلم يبْق إِلَّا مَا عَلَيْهِ من كسوته، فَعدم الْقُوت ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها، وَهُوَ صابر خوفًا من أَن يَبِيع مَا عَلَيْهِ، فيتعطل عَن الْحَرَكَة، فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الرَّابِع عمل على بيع مَا عَلَيْهِ ليَأْكُل بِبَعْضِه، وليشتري بِالْبَعْضِ الآخر تاسومة، ومرقعة، وركوة، وَيخرج فِي زِيّ فيج إِلَى بلد آخر؛ لِأَنَّهُ بَقِي ثَلَاثَة أَيَّام لم يَأْكُل شَيْئا.
ثمَّ شرهت نَفسه إِلَى الرُّجُوع إِلَى الدِّيوَان، مؤملا فرجا يَسْتَغْنِي بِهِ عَن هَذَا، من تصرف، أَو غَيره.
فَمشى يُرِيد الدِّيوَان، وَهُوَ مغموم مفكر، إِذْ سمع صَوت حافر من وَرَائه، وَقوم يصيحون: الطَّرِيق، الطَّرِيق.
فلشدة مَا بِهِ، غفل عَن التنحي عَن الطَّرِيق، فكبسه شَهْري كَانَ رَاكِبه
الْمُؤَيد بِاللَّه بن المتَوَكل على الله، وَهُوَ إِذْ ذَاك أحد أَوْلِيَاء العهود، فداسه، وَسقط على وَجهه.
فصعب ذَلِك على الْمُؤَيد، وَلم يكن يعرفهُ، فَاغْتَمَّ أَن يجْرِي مِنْهُ على إِنْسَان مثل ذَلِك، فَأمر أَن يحمل إِلَى دَاره، فَفعل ذَلِك، وأفردت لَهُ حجرَة، وَمن يَخْدمه، وعولج بالدواء، وَالطَّعَام، وَالشرَاب، وَالطّيب، والفرش، حَتَّى برِئ بعد أَيَّام، فأنفذ إِلَيْهِ ألفي دِرْهَم، وَسَأَلَهُ إحلاله مِمَّا جرى عَلَيْهِ.
فَقَالَ: لَا أقبلها، أَو تقع عَيْني على الْمُؤَيد، فأشافهه بِالدُّعَاءِ.
فأوصل إِلَيْهِ، فشكره، ودعا لَهُ، وقص عَلَيْهِ قصَّته، وَسَأَلَهُ استخدامه.
فخف على قلبه الْمُؤَيد، واستكتبه، وَأمر أَن يصرف فِي دَاره، وَفِي دَار والدته إِسْحَاق، جَارِيَة المتَوَكل، فتصرف فِيهَا مُدَّة، وصلحت حَاله.
وَكَانَ الْمُوفق، أَخُو الْمُؤَيد من أمه، قد رأى ابْن الطَّبَرِيّ، فاجتذبه إِلَى خدمته، ونفق عَلَيْهِ، وانْتهى أمره مَعَه إِلَى أَن جعل إِلَيْهِ تربية المعتضد، وأكسبه الْأَمْوَال الجليلة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع