تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

قصَّة سُلَيْمَان الْأَنْبَارِي النَّصْرَانِي

وجدت فِي بعض الْكتب: كَانَ بسر من رأى، ثَلَاثَة إخْوَة نَصَارَى أنباريون، أحدهم مُوسر، وَلم يسم، وَالثَّانِي متجمل، يُقَال لَهُ: عون، وَالثَّالِث يُقَال لَهُ: سَلمَة، فَقير، فآل أَمر سَلمَة فِيمَا يكابده من شدَّة الْفقر، إِلَى أَن تعذر عَلَيْهِ قوت يَوْمه.

فَمضى إِلَى أَخِيه عون، وَسَأَلَهُ أَن يتلطف إِلَى أَخِيه المسر، فِي أَن يشْغلهُ فِيمَا يعود عَلَيْهِ نَفعه، ويخدمه فِيهِ، بَدَلا من الْغَرِيب.

فَامْتنعَ الْأَخ الْمُوسر من ذَلِك، وعاوده دفعات، واستعطفه، وضره يتزايد.

فَقَالَ الْمُوسر، على سَبِيل الولع: إِن شَاءَ أَن أصيره مَكَان الشاكري، وصبر على الْعَدو، فعلت.

فَعرض عون على سَلمَة ذَلِك، فَقَالَ سَلمَة: مَا عرض أخونا عَليّ هَذَا إِلَّا لأمتنع، ويجعله حجَّة، وَأَنا أستجيب إِلَيْهِ وأصبر، وأرجع إِلَى الله، تَعَالَى، فِي كشف الْحَال الَّتِي أكون فِيهَا مَعَه، وَأَرْجُو الْفرج ببغيه عَليّ، وَلَا أَضَع نَفسِي بِمَسْأَلَة النَّاس، فَفعل ذَلِك.

فَكَانَ أَخُوهُ يركب، وَهُوَ يمشي فِي أَثَره بطليسان ونعل، حَتَّى لَا يظْهر أَنه غُلَامه، وَإِذا نزل فِي مَوضِع؛ لحقه، وَأخذ ركابه، وتسلم المركوب، وَحفظه إِلَى أَن يخرج.

فَلم يزل على هَذَا، إِلَى أَن طلب وصيف الْكَبِير، رَفِيق بغا، من يجلسه بِبَاب دَاره، فَيكْتب إِلَى المطبخ، من الْحَيَوَان والحوائج؛ ليقايس بِهِ مَا يحْتَسب عَلَيْهِ.

فوصف عون أَخَاهُ سَلمَة لذَلِك، وَوجه إِلَيْهِ فَأحْضرهُ، فَامْتنعَ، وَذكر أَنه لَا دربة لَهُ بِهِ، وَلَا فِيهِ آلَة لَهُ.

فضمن لَهُ عون معاونته، وإجمال الْحساب فِي كل عَشِيَّة، وَأجْرِي عَلَيْهِ رزق يسير.

وَجلسَ بِالْبَابِ، وَصَارَ يَدْعُو بالحمالين، فَيثبت مَا يحضرونه، وَيرْفَع فِي كل يَوْم مدرجا بتفصيل ذَلِك.

فَلَمَّا انْقَضى الشَّهْر جمع وصيف المدارج، وأحضر كَاتبا غَرِيبا، وَتقدم إِلَيْهِ أَن يؤرجها على أصنافها.

وَعمل كِتَابه ديوانه عملا بِمَا رَفعه الوكلاء فِي ذَلِك الشَّهْر، فظهرت فِيهِ زِيَادَة عَظِيمَة، فحطت وتوفر مَالهَا.

وَحسن موقع ذَلِك من وصيف، وأحضر سَلمَة، وَمَا كَانَ رَآهُ قبل ذَلِك، وَصرف المتصرفين فِي المطبخ بِهِ، وأسنى جائزته.

فتوفر على يَده فِي الشَّهْر الثَّانِي، مِمَّا كَانَ حط من الأسعار، مَا حسن موقعه.

فَرد إِلَيْهِ قهرمة دَاره، فتتابعت التوفيرات، واتصلت جوائزه إِيَّاه، وزيادته فِي جاريه.

وطالت مُدَّة خدمته لوصيف، وَغلب على حَاله، وَاتفقَ لَهُ خلْوَة المتَوَكل، وَحُضُور وصيف.

فَقَالَ لوصيف: قد كثر وَلَدي، وَأُرِيد لَهُم شَيخا، عفيفا، ثِقَة، لَيْسَ فِيهِ بِأَو، وَلَا مخرقة؛ لأفرد لَهُم على يَده إقطاعات أجعلها لَهُم، فلست أحب أَن أَوسط كتابي أمره.

فَوَقع فِي نفس وصيف، أَن يصف سَلمَة، وبخل بِهِ، فَلم يزل يتَرَدَّد ذَلِك فِي قلبه.

ثمَّ قَالَ: اعْلَم، يَا مولَايَ، أَن الله قد رَزَقَنِي هَذِه الصّفة الَّتِي تريدها مني، وَالرجل عِنْدِي، فَإِذا فَكرت فِي حقوقك، وَأَن نعمتي مِنْك؛ لم أستحسن أَن أكتمك، وَإِذا فَكرت فِيمَا أفقده مِنْهُ؛ توقفت، والآن، فقد أنطقني إقبالك بِذكرِهِ، وَهُوَ سَلمَة بن سعيد النَّصْرَانِي.

فَقَالَ: أحضرنيه السَّاعَة.

فَأحْضرهُ فِي الْوَقْت، فحين عاينه المتَوَكل وَقع فِي نَفسه صِحَة مَا وَصفه، فَوَقع لكل ابْن بإقطاع ثَلَاث مائَة ألف دِرْهَم، وَلكُل ابْنة بِمِائَة وَخمسين ألف دِرْهَم، وَقيل: إِن المتَوَكل مَاتَ عَن خمسين ابْنا، وَخمْس وَخمسين ابْنة، وَدفع إِلَيْهِ التوقيع.

وَقَالَ لَهُ: نجز هَذَا، واختر من الضّيَاع مَا ترى، وانصب لَهَا ديوانا، وَوَصله، وَجعل لَهُ منزلَة كَبِيرَة، بِكِتَابَة الْوَلَد.

فَلَمَّا فرغ من ذَلِك، وَقَامَ بِهِ؛ جرى أَمر آخر، أوجب أَن رد إِلَيْهِ أَيْضا أَمر سَائِر الْحرم، وَجعل لَهُ قبض جراياتهن وأرزاقهن، وإنفاق ذَلِك عَلَيْهِنَّ، وَصرف وكلاءهن وأسبابهن عَنْهُن، وزادت مَنْزِلَته بذلك لِكَثْرَة الْحرم.

فَبَيْنَمَا سَلمَة يتَرَدَّد فِي دَار المتَوَكل، إِلَى مقاصير الْوَلَد وَالْحرم، وَقعت عين المتَوَكل عَلَيْهِ، فاستدعاه.

وَقَالَ لَهُ: يَا سَلمَة، مَا أَكثر مَا يذهب على الْمُلُوك، حفظت بك وَلَدي وحرمي، وأضعت نَفسِي، وَلَيْسَ لي مِنْك عوض، قد رددت إِلَيْك بَيت المَال، وخزائن الْفرش، وَالْكِسْوَة، وَالطّيب، وَسَائِر أَمر الدَّار، فتسلم ذَلِك، واستخلف عَلَيْهِ من تثق بِهِ.

وَكَانَ قد أنكر عَلَيْهِ فِي بعض خدمته شَيْئا، فَأمر باعتقاله، ففرشت لَهُ حجرَة، وَترك خلفاؤه يعْملُونَ.

ثمَّ ذكره فِي اللَّيْل، وَهُوَ يشرب، فَقَالَ لخادم: امْضِ إِلَى الْحُجْرَة الَّتِي فِيهَا سَلمَة، فَاطلع عَلَيْهِ، وعرفني الصُّورَة الَّتِي تَجدهُ عَلَيْهَا.

فعاود وَذكر أَنه وجده يسود، ثمَّ أَعَادَهُ بعد وَقت آخر، فَوَجَدَهُ على ذَلِك، وَأَعَادَهُ الثَّالِثَة، فَكَانَت الصُّورَة وَاحِدَة.

فَاسْتَحْضرهُ، وَقَالَ: أَنْت شيخ كَبِير، تسود ليجود خطك فِي الْآخِرَة، أَو لتصل بِهِ فِي الدُّنْيَا إِلَى أَكثر مِمَّا وصلت إِلَيْهِ؟ قَالَ: لَا هَذَا وَلَا هَذَا، وَلَكِنَّك لما اعتقلتني، وأقررت أَصْحَابِي؛

وثقت بِحسن رَأْيك، فَلم أقطع التأهب لخدمتك، لِأَنِّي أكاتبك كثيرا، فِيمَا أستأمرك بِهِ، فَأَنا أحب أَن لَا تقع عَيْنك على مَا تستقبحه من الْخط.

فَحسن موقع هَذَا القَوْل من المتَوَكل، وَأمر بإحضار حقة، فِيهَا خَاتم الْخَاصَّة، فَدفعهُ إِلَيْهِ.

وَقَالَ: هَذَا خَاتمِي، وَقد رددت إِلَيْك ختم مَا كنت أختمه بيَدي، من غير أَن تستأمرني فِيهِ؛ ليعلم الْخَاص وَالْعَام أَنِّي رفعت مِنْك، وزدت فِي محلك، وَلَا يخلقك عِنْدهم الاعتقال.

ثمَّ رَآهُ المتَوَكل بعد ذَلِك، وَفِي وَقت من الْأَوْقَات، مَاشِيا فِي الدَّار، فَقَالَ: سَلمَة شيخ كَبِير، هوذا يهرم ويتلف بِهَذَا الْمَشْي؛ لِأَنَّهُ يُرِيد أَن يطوف فِي كل يَوْم على الْحرم وَالْولد، وَقد رَأَيْت أَن أجريه مجْرى نَفسِي، فِي إِطْلَاق الرّكُوب لَهُ فِي دَاري.

وَكَانَ المتَوَكل يركب حمارا يتخطى بِهِ فِي الممرات، ويركب سَلمَة حمارا، وَلم يكن فِي الدَّار من يركب غَيرهمَا.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.