تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أَحْمد بن مَسْرُوق عَامل الأهواز يتحدث عَن الْفرج الَّذِي وجده فِي قانصة البطة

وَذكر أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، عَن الْحُسَيْن بن مُوسَى، أخي إِبْرَاهِيم بن مُوسَى، قَالَ: خرجت إِلَى فَارس، فِي أَيَّام الْمُعْتَمد على الله، فمررت بالأهواز، والمتقلد لخراجها أَحْمد بن مَسْرُوق، فَاجْتَمَعْنَا وتذاكرنا حَدِيث الْغم والفرج، وَمَا ينَال النَّاس مِنْهُمَا، وَمن الْمَرَض وَالصِّحَّة.

فَحَدثني: أَنه كَانَ فِي نَاحيَة إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، فَلَمَّا توفّي، وَقدم مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر؛ تعطل، وافتقر، حَتَّى لم يبْق لَهُ شَيْء، وحالفته أمراض كَثِيرَة، فَكَانَ لَا يَصح لَهُ بدن يَوْمًا وَاحِدًا.

قَالَ: وَكَانَ لَهُ رَفِيق، فَخرج إِلَى سر من رأى، فَتعلق بِالْفَتْح بن خاقَان، فحسنت حَاله.

قَالَ: فَكَانَ يكْتب إِلَيّ فِي الْخُرُوج إِلَيْهِ، فيمنعني من ذَلِك عوز النَّفَقَة.

فَإِنِّي لمغموم، مفكر فِي الْحَال الَّتِي أَنا عَلَيْهَا، إِذْ دخل بعض نسائنا، فلامتني على طول الْهم وَالْغَم، وَقَالَت: كن الْيَوْم عِنْدِي، حَتَّى أذبح لَك

مخلفة بطة سمنت لنا، وتجتمع مَعَ جواريك، فيغنين لَك وتتفرج.

فَقلت: نعم، وَجئْت إِلَى منزلهَا، وذبحت البطة، فَإِذا قد خرجت إِلَيّ، وَمَعَهَا حجر أَحْمَر، لم تدر مَا هُوَ.

فَقَالَت: خرج هَذَا من قانصة البطة، فَمَا هُوَ؟ قلت: لَا أَدْرِي، وَلَكِن هبيه لي حَتَّى أريه لمن يعرفهُ؟ فَقَالَت: خُذْهُ، فَرَأَيْت شَيْئا لم أعرفهُ، إِلَّا أَنِّي بعثت بِهِ إِلَى صديق لي بِبَاب الطاق، وَسَأَلته أَن يَبِيعهُ لي.

فَقَالَ: نعم، ثمَّ إِنَّه غسله بِمَاء حَار، وَبَاعه بِمِائَة وَثَلَاثِينَ دِينَارا.

فَأخذت الدَّنَانِير، واشتريت مركوبا، وتجهزت إِلَى سر من رأى، فلزمت أَبَا نوح، وَبَاب الْفَتْح بن خاقَان، فنفدت نفقتي، وَجعل رفيقي ينْفق عَليّ، ويقرضني.

فدعاني الْفَتْح بن خاقَان، وَقد يئست مِنْهُ، وَإِذا بَين يَدَيْهِ أَبُو نوح، فَقَالَ: هَذَا أَحْمد بن مَسْرُوق؟ قَالَ: نعم.

قَالَ: كَيفَ أَنْت إِن أنفذتك فِي أَمر، واصطنعتك؟ قلت: إِنِّي كنت مَعَ الخراسانية كَاتبا أعرف جَمِيع الْأَعْمَال.

فَأَدْخلنِي إِلَى المتَوَكل، فَلَمَّا وقفت بَين يَدَيْهِ؛ قَالَ: إِنَّا ننفذك فِي أَمر هُوَ محنتك، وَبِه ارتفاعك، أَو سقوطك، فَانْظُر كَيفَ تكون؟ قَالَ: فَقبلت الأَرْض، ووعدت الْكِفَايَة بِهِ من نَفسِي.

وَخرج الْفَتْح، وَمَعَهُ عبيد الله بن يحيى، فَوَقع لي عبيد الله بِأَجْر ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم، مَعَ الشاكرية الَّذين يقبضون عشرَة أشهر من السّنة، والاستقبال فِي أول شهر يوضع لَهُم، وَوَقع إِلَى خَازِن بَيت المَال بِأَن يدْفع إِلَيّ ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم مَعُونَة.

وَكتب كتبي بِالنّظرِ فِي مصَالح الأهواز، وَأَشْيَاء هُنَاكَ بالستر وَالْأَمَانَة، احْتِيجَ إِلَى كشفها، فسرت إِلَيْهَا، وَبَلغت فِي الْأُمُور مَا أَحْمد.

فَصَارَ رسمي أَن أقلد أَعمالهَا، فَمرَّة المعونة، وَمرَّة الْخراج، وَمرَّة يجمعان لي جَمِيعًا.

فَزَالَتْ تِلْكَ الْعِلَل والأمراض الَّتِي كَانَت قد حالفتني، وَلَا أعرف لذَلِك سَببا غير الْفرج.

فَقَالَ الْحُسَيْن بن مُوسَى، لِأَحْمَد بن مَسْرُوق: على ذكر وجود الْحجر فِي قانصة البطة: أخْبرك أَنِّي لما سرت فِي سفرتي هَذِه، إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف باصطربند، رَأَيْت بستانا حسنا، فِيهِ باقلى وخضرة، بعقب مطرة، فاستحسنته، فعدلت إِلَيْهِ.

فَقَالَ: عساه الْبُسْتَان الَّذِي فِيهِ الصَّخْرَة الَّتِي كَأَنَّهَا نابتة.

قلت: هُوَ.

قَالَ: هيه.

قلت: فتغدينا فِيهِ، وشربنا أقداحا، وَكنت مُسْتَندا إِلَى الصَّخْرَة، فَلَمَّا نهضنا؛ رَأَيْت فِي وسط الصَّخْرَة نقرة، قد اجْتمع فِيهَا مَاء الْمَطَر، فَهُوَ فِي غَايَة الصفاء.

فَوضعت فمي لأشرب مِنْهُ، فَتحَرك فِيهِ شَيْء، فنحيت فمي عَنهُ، وتأملته، فبدت لي خرقَة، فجذبتها، فَإِذا صرة.

فَقَالَ: أَحْمد بن مَسْرُوق: صرتي، وَالله، كَأَن فِيهَا ثَلَاث مائَة دِينَار.

قلت: نعم، فَمن أَيْن صَارَت لَك؟ قَالَ: مَرَرْت بِهَذَا الْموضع، آخر خرجَة خرجتها إِلَى الأهواز، فملتُ إِلَى الْموضع، كَمَا ملتَ، وَكَانَت هَذِه الصرة فِي يَدي، فَوَضَعتهَا فِي الْحجر، وأنسيتها وَركبت، ثمَّ طلبتها، فَلم أَجدهَا، وَلَا علمت أَيْن وَضَعتهَا، إِلَّا السَّاعَة، فَذَكرتهَا بحديثك.

قلت: فالدنانير مَعَ غلامي.

قَالَ: خُذْهَا، بَارك الله لَك فِيهَا، وأبرأت ذِمَّتك مِنْهَا.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.