من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
أصلح بَين متخاصمين بدرهم فوهب الله لَهُ درة بِمِائَة وَعشْرين ألفا
قَالَ:
وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي، فِي كِتَابه، بِإِسْنَاد، قَالَ: حدث مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عمر البرقي، قَالَ: حَدثنَا الْعَبَّاس بن مُحَمَّد البرقي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو زيد، عَن الفضيل بن عِيَاض، قَالَ: حَدثنِي رجل: أَن رجلا خرج بغزل، فَبَاعَهُ بدرهم؛ ليَشْتَرِي بِهِ دَقِيقًا، فَمر على رجلَيْنِ، كل وَاحِد مِنْهُمَا آخذ بِرَأْس صَاحبه.
فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقيل: يقتتلان فِي دِرْهَم، فَأَعْطَاهُمَا ذَلِك الدِّرْهَم، وَلَيْسَ لَهُ شَيْء غَيره.
فَأتى إِلَى امْرَأَته، فَأَخْبرهُمَا بِمَا جرى لَهُ، فَجمعت لَهُ أَشْيَاء من الْبَيْت، فَذهب ليبيعها، فكسدت عَلَيْهِ، فَمر على رجل وَمَعَهُ سَمَكَة قد أروحت.
فَقَالَ لَهُ: إِن مَعَك شَيْئا قد كسد، وَمَعِي شَيْء قد كسد، فَهَل لَك أَن تبيعني هَذَا بِهَذَا؟ فَبَاعَهُ.
وَجَاء الرجل بالسمكة إِلَى الْبَيْت، وَقَالَ لزوجته: قومِي فأصلحي أَمر هَذِه السَّمَكَة، فقد هلكنا من الْجُوع.
فَقَامَتْ الْمَرْأَة تصلحها، فشقت جَوف السَّمَكَة، فَإِذا هِيَ بلؤلؤة، قد خرجت من جوفها.
فَقَالَت الْمَرْأَة: يَا سَيِّدي، قد خرج من جَوف السَّمَكَة شَيْء أَصْغَر من بيض الدَّجَاج، وَهُوَ يُقَارب بيض الْحمام.
فَقَالَ: أريني، فَنظر إِلَى شَيْء مَا رأى فِي عمره مثله، فطار عقله، وحار لبه.
فَقَالَ لزوجته: هَذِه أظنها لؤلؤة.
فَقَالَت: أتعرف قدر اللؤلؤة؟ قَالَت: لَا، وَلَكِنِّي أعرف من يعرف ذَلِك، ثمَّ أَخذهَا، وَانْطَلق بهَا إِلَى أَصْحَاب اللُّؤْلُؤ؛ إِلَى صديق لَهُ جوهري، فَسلم عَلَيْهِ، فَرد ﵇، وَجلسَ إِلَى جَانِبه يتحدث، وَأخرج تِلْكَ الْبَيْضَة.
وَقَالَ: انْظُر كم قيمَة هَذِه؟ قَالَ: فَنظر زَمَانا طَويلا، ثمَّ قَالَ: لَك بهَا عَليّ أَرْبَعُونَ ألفا، فَإِن شِئْت أقبضتك المَال السَّاعَة، وَإِن طلبت الزِّيَادَة؛ فَاذْهَبْ بهَا إِلَى فلَان، فَإِنَّهُ أثمن بهَا لَك مني.
فَذهب بهَا إِلَيْهِ، فَنظر إِلَيْهَا واستحسنها، وَقَالَ: لَك بهَا عَليّ ثَمَانُون ألفا، وَإِن شِئْت الزِّيَادَة؛ فَاذْهَبْ بهَا إِلَى فلَان، فَإِنِّي أرَاهُ أثمن بهَا لَك مني.
فَذهب بهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَك بهَا عَليّ مائَة وَعِشْرُونَ ألفا، وَلَا أرى أحدا يزيدك فَوق ذَلِك شَيْئا.
فَقَالَ: نعم، فوزن لَهُ المَال، فَحمل الرجل فِي ذَلِك الْيَوْم اثْنَتَيْ عشرَة بدرة، فِي كل بدرة عشرَة آلَاف دِرْهَم، فَذهب بهَا إِلَى منزله؛ ليضعها فِيهِ، فَإِذا فَقير وَاقِف بِالْبَابِ، يسْأَل.
فَقَالَ: هَذِه قصتي الَّتِي كنت عَلَيْهَا، ادخل، فَدخل الرجل.
فَقَالَ: خُذ نصف هَذَا المَال، فَأخذ الرجل الْفَقِير، سِتّ بدر، فحملها، ثمَّ تبَاعد غير بعيد، وَرجع إِلَيْهِ.
وَقَالَ: مَا أَنا بمسكين، وَلَا فَقير، وَإِنَّمَا أَرْسلنِي إِلَيْك رَبك، ﷿،
الَّذِي أَعْطَاك بالدرهم عشْرين قيراطا، فَهَذَا الَّذِي أَعْطَاك، قِيرَاط مِنْهُ، وَذخر لَك تِسْعَة عشر قيراطا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع