من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
بَاعَ من إضاقته لجام دَابَّته فِي الصَّباح وحصلت لَهُ عشرُون ألف دِينَار وَقت الظّهْر
قَالَ: وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي فِي كِتَابه، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْقَاسِم مَيْمُون بن مُوسَى، قَالَ: خرج رجل من الكتّاب فِي عَسْكَر المعتصم إِلَى مصر، يُرِيد التَّصَرُّف، فَلم يحظ بِشَيْء مِمَّا أمّل، وَدخل المعتصم بِاللَّه مصر.
قَالَ: فَحَدثني بعض المتصرفين عَنهُ، قَالَ: نزلت فِي دَار بِالْقربِ مِنْهُ، فَحَدثني الرجل بِمَا كنت وقفت على بعضه.
قَالَ: أَصبَحت ذَات يَوْم، وَقد نفدت نفقتي، وتقطعت ثِيَابِي، وَأَنا من الْهم وَالْغَم، على مَا لَا يُوصف عظما.
فَقَالَ لي غلامي: يَا مولَايَ، أَي شَيْء نعمل الْيَوْم؟ فَقلت لَهُ: خُذ لجام الدَّابَّة، فبعه، فَإِنَّهُ محلي، وابتع مَكَانَهُ لجاما حديدا، واشتر لنا خبْزًا سميذا، وجديا سمينا، فقد قرمت إِلَى أكلهما، وَعجل، وَلَا تدع أَن تبْتَاع فِيمَا تبتاعه كوز نَبِيذ شيروي.
فَمضى الْغُلَام، وَجَلَست أفكر فِي أَمْرِي، وَمن أُلَاقِي، وَكَيف أعمل، وَإِذا بِبَاب الدَّار قد دق دقا عنيفا، حَتَّى كَاد أَن يكسر، وَإِذا رهج شَدِيد.
فَقلت لغلام كَانَ وَاقِفًا بَين يَدي: بَادر، فَانْظُر مَا هَذَا.
فَإلَى أَن يفتح الْبَاب، كسر، وامتلأت الدَّار بالغلمان الأتراك وَغَيرهم، وَإِذا بأشناس، وَهُوَ حَاجِب المعتصم، وَمُحَمّد بن عبد الْملك الزيات، وَهُوَ الْوَزير، قد دخلا.
فطرحت لَهُم زلية، فَجَلَسَا عَلَيْهَا، وَإِذا مَعَهُمَا حفارون.
قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك؛ بادرت فَقبلت أَيْدِيهِمَا، فسألاني عَن خبري، فخبرتهما إِيَّاه، وأنني قد خرجت فِي جملَة أهل الْعَسْكَر؛ طلبا للتَّصَرُّف، وَذكرت حَالي وَمَا قد آلت إِلَيْهِ، فوعداني جميلا، والحفارون يحفرون فِي وسط الدَّار، حَتَّى ترتجل النَّهَار، وَأَنا وَاقِف بَين أَيْدِيهِمَا، وَرُبمَا حدثتهما.
فَالْتَفت أشناس إِلَى مُحَمَّد بن عبد الْملك، فَقَالَ: أَنا، وَالله، جَائِع.
فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد: وَأَنا، وَالله، كَذَلِك.
فَقلت عِنْد ذَلِك: يَا سَيِّدي، عِنْد خادمكما شَيْء قد اتخذ لَهُ، فَإِن أذنتما فِي إِحْضَاره أحضرهُ.
فَقَالَا: هَات.
فَقدمت الجدي، وَمَا كَانَ ابتيع لنا، فأكلا، واستوفيا، وغسلا أَيْدِيهِمَا.
ثمَّ قَالَ لي أشناس: عنْدك من ذَلِك الْفَنّ؟ قلت: نعم، فسقيتهما ثَلَاثَة أقداح.
وَجعل أَحدهمَا يَقُول للْآخر: ظريف، وَمَا يَنْبَغِي لنا أَن نضيعه البائس.
فَبَيْنَمَا الْحَال على ذَلِك، إِذْ ارْتَفع تَكْبِير الحفارين، وَإِذا هم قد كشفوا عَن عشْرين مرجلا دَنَانِير، فوجهوا بالبشارة إِلَى المعتصم، وأخرجت المراجل.
فَلَمَّا نهضا؛ قَالَ أَحدهمَا للْآخر: فَهَذَا الشقي الَّذِي أكلنَا طَعَامه، وشربنا شرابه، ندعه هَكَذَا؟ فَقَالَ لَهُ الآخر: فنعمل مَاذَا؟ قَالَ: نحفن لَهُ من كل مرجل حفْنَة، لَا تُؤثر فِيهِ، فنكون قد أغنيناه، ونصدق أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن الحَدِيث.
ثمَّ قَالَا: افْتَحْ حجرك، وَجعل كل وَاحِد، يحفن لي حفْنَة، من كل مرجل، وأخذا المَال، وانصرفا.
فَنَظَرت، فَإِذا قد حصل لي عشرُون ألف دِينَار، فَانْصَرَفت بهَا إِلَى الْعرَاق، وابتعت بهَا ضيَاعًا ولزمت منزلي، وَتركت التَّصَرُّف.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع