تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

بعث الْفضل بن سهل خدابود لقِتَال خارجي فجَاء بِرَأْسِهِ

وَذكر عبد الله بن بشر، قرَابَة الْفضل بن سهل، قَالَ: كَانَ الْفضل إِذا دخل مَدِينَة السَّلَام، من السيب، مَوضِع قَرْيَة، لحوائجه، وَهُوَ، إِذْ ذَاك، صَغِير الْحَال، نزل على فامي بهَا، يُقَال لَهُ: خدابود، فيخدمه هُوَ وَأهل بَيته، وَيَقْضِي حَوَائِجه إِلَى أَن يعود.

وتقضت الْأَيَّام، وَبلغ الْفضل مَعَ الْمَأْمُون مَا بلغ، بخراسان، وَقضي أَن الفامي ألح عَلَيْهِ الزَّمَان بنكبات مُتَّصِلَة، حَتَّى افْتقر، فَنَهَضَ إِلَى الْفضل بن سهل.

وَقدم مرو، فَبَدَأَ بِي، فسررت بِهِ وأكرمته، وأصلحت من شَأْنه مَا يجب أَن يصلح لدُخُوله على الْفضل، وَقمت فَدخلت إِلَى الْفضل، وَقد جلس على مائدته.

فَقلت لَهُ: أَتَذكر الشَّيْخ الفامي، الَّذِي كُنَّا ننزل عَلَيْهِ بِبَغْدَاد؟ فَقَالَ لي: سُبْحَانَ الله! تَقول لي تذكره، وَله علينا من الْحُقُوق مَا قد

علمت؟ فَكيف ذكرته؟ أَظن إنْسَانا أخْبرك بِمَوْتِهِ.

فَقلت: هوذا فِي منزلي.

فاستطير فَرحا، وَقَالَ: هاته السَّاعَة، ثمَّ رفع يَده، وَقَالَ: لَا آكل، أَو يَجِيء.

فَقُمْت وَجئْت بِهِ، فحين قرب مِنْهُ؛ تطاول لَهُ، وَأَجْلسهُ بَين يَدَيْهِ، فِيمَا بيني وَبَينه، وَأَقْبل عَلَيْهِ، وَقَالَ: يَا هَذَا، مَا حَبسك عَنَّا طول هَذِه الْمدَّة؟ فَقَالَ: محن عاقبتي، ونكبات أصابتني.

فَأقبل يسائله عَن وَاحِدَة وَاحِدَة من بَنَاته وَأَهله.

فَقَالَ لَهُ: لم يبْق لي بعْدك ولد، وَلَا أهل، وَلَا مَال إِلَّا تلف، وَمَا تحملت إِلَيْك، إِلَّا من قرض وَمَسْأَلَة، فكاد الْفضل يبكي.

فَلَمَّا استتم غداءه؛ أَمر لَهُ بِثِيَاب فاخرة، ومركوب، وَمَال لنفقته، وَأَن يدْفع إِلَيْهِ منزل وأثاث، وَاعْتذر إِلَيْهِ، ووعده النّظر فِي أمره.

فَلَمَّا كَانَ من غَد؛ حضر عِنْده وكلاء تجار بَغْدَاد، وَكَانُوا قد قدمُوا عَلَيْهِ، يَبْتَغُونَ بيع غلات السوَاد مِنْهُ، وَأَعْطوهُ عطايا لم يجب إِلَيْهَا.

فأحضرني، وَقَالَ: قد علمت مَا دَار بيني وَبَين هَؤُلَاءِ، فَاخْرُج إِلَيْهِم، وأعلمهم أَنِّي قد أنفذت البيع لَهُم بِمَا التمسوا، على أَن يجْعَلُوا لخدابود مَعَهم الرّبع.

فَفعلت ذَلِك، وَأجَاب التُّجَّار، وفرحوا بِمَا تسهل لَهُم.

ثمَّ قَالَ لخدابود: إِنَّهُم سيهولون عَلَيْك بِكَثْرَة الْمُؤَن، ويبذلون لَك مائَة ألف دِرْهَم على أَن تخرج من الشّركَة، فاحذر أَن تفعل، وَلَا تخرج بِأَقَلّ من خمسين ألف دِينَار.

ثمَّ قَالَ: اخْرُج مَعَه، وتوسط فِيمَا بَينهم وَبَينه، فَفعلت ذَلِك،

وَلم أقنع حَتَّى قدم التُّجَّار لخدابود خمسين ألف دِينَار، وَدخل، فَعرف الْفضل مَا جرى، وشكره، وَأقَام مَعنا مُدَّة.

ثمَّ دخل إِلَيْهِ يَوْمًا، وَالْفضل مغموم مفكر، فَقَالَ لَهُ: أَيهَا الْأَمِير، مَا الَّذِي قد بلغ بك إِلَى مَا أرى من الْفِكر وَالْغَم؟ قَالَ: أَمر لَا أَحسب لَك فِيهِ عملا، يَا خدابود.

قَالَ: فَأَخْبرنِي بِهِ، فَإِن كَانَ عِنْدِي فِيهِ مَا يفرجه عَنْك، وَإِلَّا فَفِي الشكوى رَاحَة.

قَالَ لَهُ الْفضل: إِن خارجيا قد خرج علينا بِبَعْض كور خُرَاسَان، وَنحن على إضاقة من المَال، وَأكْثر عساكرنا قد جردوا إِلَى بَغْدَاد، والخارجي يقوى فِي كل يَوْم، وَأَنا مرتبك فِي هَذَا الْأَمر.

فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير، مَا ظَنَنْت الْأَمر إِلَّا أصعب من هَذَا، وَمَا هَذَا حَتَّى تفكر فِيهِ؟ أَنْت قد فتحت الْعرَاق، وَقتلت المخلوع، وأزلت مثل تِلْكَ الدولة، وتهتم بِهَذَا اللص الَّذِي لَا مَادَّة لَهُ؟ أنفذني إِلَيْهِ أَيهَا الْأَمِير، فَإِن أَتَيْتُك بِهِ، أَو بِرَأْسِهِ، بإقبالك، فَهُوَ الَّذِي تُرِيدُ، وَإِن قتلت؛ لم تنثلم الدولة بفقدي، على أَنِّي أعلم أَن بختك لَا يُخطئ فِي هَذَا الْمِقْدَار الْيَسِير.

قَالَ: ففكر الْفضل سَاعَة، ثمَّ الْتفت إِلَيّ، فَقَالَ: لَعَلَّ الله يُرِيد أَن يعرفنا قدرته بخدابود.

ثمَّ لفق رجَالًا، واحتال مَالا، ففرقه عَلَيْهِم، وخلع على خدابود، وقلده حَرْب الْخَارِجِي، والبلد الَّذِي هُوَ فِيهِ.

فَسَار خدابود بالعسكر، فَلَمَّا شَارف عَسْكَر الْخَارِجِي؛ جمع وجوده عسكره، وَقَالَ لَهُم: إِنِّي لست من أهل الْحَرْب، وأعول على نصْرَة الله، تَعَالَى، لخليفته على الْعباد، وعَلى إقبال الْأَمِير، وَلَيْسَ هَذَا الْخَارِجِي من أهل

المدد، وَإِنَّمَا هُوَ لص لَا شَوْكَة لَهُ، فاعملوا عمل واثق بالظفر، وَلَا تقنعوا بِدُونِ الْوُصُول إِلَيْهِ، وَلكم إِن جئْتُمْ بِهِ، أَو بِرَأْسِهِ، كَذَا وَكَذَا.

قَالَ: فحملوا وحققوا، فانجلت الْحَرْب عَن الْخَارِجِي قَتِيلا، فاحتز رَأسه.

وَكتب خدابود إِلَى الْفضل: لست مِمَّن يحسن كتب الْفتُوح، وَلَا غَيرهَا، وَلَكِن الله جلت عَظمته قد أظفرنا بالخارجي، وَحصل رَأسه معي، وتفرق أَصْحَابه، وَأَنا أستخلف على النَّاحِيَة، وأسير بِرَأْسِهِ.

قَالَ: وتلا الْكتاب مَجِيء خدابود بِالرَّأْسِ، فعجبنا مِمَّا تمّ لَهُ، وعلت حَاله مَعَ الْفضل.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.