تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

السَّبَب فِي خلع المقتدر الْخلْع الثَّانِي وعودته إِلَى الحكم

ذكر أَصْحَاب التواريخ، ومصنفو الْكتب، وَأَبُو الْحسن عَليّ بن الْفَتْح الْكَاتِب، الْمَعْرُوف بـ: المطوق، على مَا أَخْبرنِي بِهِ أَحْمد بن يُوسُف بن يَعْقُوب التنوخي عَنهُ، فِي كِتَابه (مَنَاقِب الوزراء ومحاسن أخبارهم)، وَمَا شَاهده أَحْمد بن يُوسُف من ذَلِك، وَجَمَاعَة حَدثُونِي بِهِ، مِمَّن شَاهد الْحَال؛ مِنْهُم: أَيُّوب بن الْعَبَّاس بن الْحسن، وَعلي، وَالقَاسِم، ابْنا هِشَام بن عبد الله الْكَاتِب، وَأَبُو الْحُسَيْن بن عَيَّاش الخرزي، خَليفَة أبي، ﵀، على الحكم بسوق الأهواز، وَمن لَا أحصي من شُيُوخنَا كَثْرَة، بِالسَّبَبِ فِي خلع المقتدر عَن الْخلَافَة الْخلْع الثَّانِي، بعبارات مُخْتَلفَة؛ معنى جَمِيعهَا: أَن الْجَيْش كُله الفرسان والرجالة شغبوا يطْلبُونَ الزِّيَادَات، ويتبسطون فِي التمَاس المحالات، وملوا أَيَّام المقتدر، وبغوا عَلَيْهِ بأَشْيَاء.

وَاتفقَ أَن سائسا لهارون بن غَرِيب الْخَال، علق بِغُلَام فِي الطَّرِيق، للْفَسَاد، فَرفع إِلَى أبي الْجُود، خَليفَة عَجِيب، غُلَام نازوك، على مجْلِس الجسر بالجانب الغربي، فجَاء غلْمَان هَارُون يخلصونه ومانعوهم، إِلَى أَن لحقه بعض أَصْحَاب نازوك، فَصَارَت بَينهم حَرْب، وانتهت

الْحَال إِلَى قصَص يطول شرحها.

إِلَى أَن أطبق الْجَيْش بأسرهم على خلع المقتدر، فزحفوا إِلَى دَاره، بمواطأة من مؤنس المظفر، فقبضوا عَلَيْهِ، وَحَمَلُوهُ إِلَى دَار مؤنس، فِي يَوْم الْخَمِيس لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من الْمحرم سنة سبع عشرَة وَثَلَاث مائَة، فحبس فِيهَا، وخلع نَفسه، وَأشْهد عَلَيْهِ بِالْخلْعِ.

وَكَانَ رَأس الْفِتْنَة، والقائم بهَا عبد الله بن حمدَان أَبُو الهيجاء، ونازوك المعتضدي، على مساعدة لَهما من مؤنس، وإطباق من الْجَيْش كلهم، وَجَاءُوا بِأبي مَنْصُور مُحَمَّد بن المعتضد بِاللَّه، فَأَجْلَسُوهُ فِي دَار الْخلَافَة، وسلموا عَلَيْهِ بهَا، ولقبوه القاهر بِاللَّه، فقلد نازوك الحجبة، مُضَافا إِلَى مَا كَانَ إِلَيْهِ من الشرطة، وَجعله صَاحب دَاره.

فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ لسبع عشرَة لَيْلَة خلت مِنْهُ؛ بكر النَّاس إِلَى دَار الْخَلِيفَة لِلْبيعَةِ، وَجَاءَت إِلَى فنَاء الدَّار، مِمَّا يَلِي دجلة، جمَاعَة من الرجالة، يطالبون بِمَال الْبيعَة وَالزِّيَادَة.

فجَاء نازوك وأشرف عَلَيْهِم من الرواق، وَمَعَهُ خَادِم من رُءُوس غلمانه، يُقَال لَهُ: عَجِيب، فَقَالَ لَهُم: مَا تُرِيدُونَ؟ نعطيكم ثَلَاث نَوَائِب.

فَقَالُوا: لَا، إِلَّا أرزاق سنة، وَزِيَادَة دِينَار، وَزَادُوا فِي القَوْل.

فَقَالَ لَهُم: يصعد إِلَيّ مِنْكُم جمَاعَة، أفهم عَنْهُم، وأكلمهم، فَصَعدَ، إِلَيْهِ جمَاعَة مِنْهُم، من بَاب الْخَاصَّة، وتسلق إِلَى الرواق جمَاعَة مِنْهُم كَبِيرَة، وثاروا على غير مواطأة، وَلَا رَأْي متقرر.

فَقَالَ لَهُم نازوك: اخْرُجُوا إِلَى مجْلِس الْإِعْطَاء، حَتَّى نخرج المَال إِلَى الْكتاب، فيقبضونكم.

فَقَالُوا: لَا نقبض إِلَّا هَهُنَا، وهجموا على التسعيني، يبوّقون، ويشتمون نازوك.

فَمضى نازوك من بَين أَيْديهم، يُرِيد الْمَمَر فِي الطَّرِيق الَّذِي ينفذ إِلَى دجلة، وَكَانَ قد سد آخِره بالْأَمْس؛ احْتِيَاطًا لحفظ من فِي الدَّار، وتحرزا من هَرَبهمْ، فَلَمَّا رَآهُ مسدودا رَجَعَ، فَاسْتَقْبلهُ جمَاعَة من الرجالة يطلبونه.

فَوَثَبَ عَلَيْهِ رجل أصفر مِنْهُم، فَضَربهُ بكلاب، وثناه آخر يكون فِي مطبخ أم المقتدر، وَله رزق فِي الرجالة، يُقَال لَهُ: سعيد، ويلقب: ضفدعا، فَقَتَلُوهُ، وَقتلُوا عجيبا، وَقَالُوا: لَا نُرِيد إِلَّا خليفتنا جَعْفَر المقتدر، وَقتل الخدم فِي الدَّار أَبَا الهيجاء، واختبأ القاهر فِي بعض الْحجر، عِنْد بعض الخدم.

وَأَقْبلُوا بِرَأْس نازوك على رمح قد خرج طرفه من وسط الرَّأْس إِلَى دَار مؤنس، وهم يَقُولُونَ: مقتدر، يَا مَنْصُور.

فطالبوا مؤنسا بالمقتدر، فخافهم على نَفسه، فَأخْرجهُ إِلَيْهِم، والمقتدر يستعفي من الْخُرُوج، وَيظْهر الزّهْد فِي الْخلَافَة، ويظن أَن مَا سَمعه حِيلَة على قَتله.

إِلَى أَن سمع صياح النَّاس: مقتدر، يَا مَنْصُور، وَأعلم بقتل نازوك وَأبي الهيجاء، فسكن.

وَقعد فِي طياره، وَانْحَدَرَ إِلَى دَاره، والرجالة يعدون على الشط بإزائه، إِلَى أَن خرج من الطيار، فالتحقوا بِهِ يقبلُونَ يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ، حَتَّى دخل دَاره.

وأحضر جمَاعَة من الهاشميين وَغَيرهم، فَبَايعُوهُ بيعَة ثَانِيَة، وَظهر ابْن

مقلة وزيره، وَكَانَ مستترا تِلْكَ الْأَيَّام، فأقره على الوزارة، ودبر أمره، وَزَالَ عَنهُ مَا كَانَ فِيهِ من المحنة والنكبة، وَلم ير خَليفَة أزيل عَن سَرِيره، وَأخرج من دَار ملكه، وأجلس آخر فِي مَوْضِعه، ولقب لقبا من ألقاب الْخُلَفَاء، وَتسَمى بأمير الْمُؤمنِينَ، وَأجْمع على بيعَته أهل المملكة والجيش كُله، وعَلى خلع الأول وحبسه، ثمَّ رَجَعَ إِلَى أمره وَنَهْيه، وَملكه وداره، فِي مُدَّة خَمْسَة أَيَّام، بِلَا سَبَب ممهد، وَلَا مواطأة لأحد، وَلَا مُشَاورَة، وَلَا مراسلة، إِلَّا مَا اتّفق فِي أَمر المقتدر، وأخيه القاهر.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.