من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
غضب الرشيد على مَرْوَان بن أبي حَفْصَة لمدحه معن بن زَائِدَة وضربه مائَة سَوط
حَدثنِي عبد الله بن عمر بن الْحَارِث الوَاسِطِيّ السراج المكفوف، الْمَعْرُوف بـ: أبي أَحْمد الْحَارِثِيّ، قَالَ: حَدثنَا ابْن دُرَيْد، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن أخي الْأَصْمَعِي، عَن عَمه، قَالَ: بعث إِلَيّ الرشيد فِي وَقت لم تكن عَادَته أَن يستدعيني فِي مثله، وَجَاءَنِي الرَّسُول بِوَجْه مُنكر، فأحضرني إحضارا عنيفا مُنْكرا مستعجلا، فوجلت وجلا شَدِيدا، وَخفت، وَجَزِعت.
فَدخلت، فَإِذا الرشيد على بِسَاط عَظِيم، وَإِلَى جَانِبه كرْسِي خيزران، عَلَيْهِ جوَيْرِية خماسية، فَسلمت، فَلم يرد عَليّ، وَلَا رفع رَأسه إِلَيّ، وَجعل ينكت الأَرْض بإصبعه.
فَقلت: سعي بِي عِنْده بباطل، يهلكني قبل كشفه، وأيست من الْحَيَاة.
فَرفع رَأسه، وَقَالَ: يَا أصمعي، أَلا ترى الدعي ابْن الدعي، الْيَهُودِيّ، عبد بني حنيفَة، مَرْوَان بن أبي حَفْصَة، يَقُول لِمَعْنٍ بن زَائِدَة، وَإِنَّمَا هُوَ عبد من عبيدنا:
أَقَمْنَا بِالْيَمَامَةِ بعد معنمقَاما لَا نُرِيد بِهِ زيالا
وَقُلْنَا أَيْن نَذْهَب بعد معنوَقد ذهب النوال فَلَا نوالا؟
وَكَانَ النَّاس كلهم لِمَعْنٍإِلَى أَن زار حفرته عيالا
فَقَالَ: إِن النوال قد ذهب، مَعَ بقائنا، فَمَا يصنع بِنَا إِذن؟ وَلم يرض حَتَّى جعلني وخاصتي عيالا لِمَعْنٍ، وَالله، لَأَفْعَلَنَّ بِهِ ولأصنعن.
فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، عبد من عبيدك، أَنْت أولى بأدبه، أَو الْعَفو عَنهُ.
فَقَالَ: عَليّ بِمَرْوَان، فَدخل عَلَيْهِ.
فَقَالَ: السِّيَاط، فَأخذ الخدم يضربونه بهَا، وَهُوَ يَصِيح: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا ذَنبي؟ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، استبقني، إِلَى أَن ضرب أَكثر من مائَة سَوط.
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، اعْفُ عني، وَاذْكُر قولي فِيك، وَفِي آبَائِك.
فَقَالَ: يَا غُلَام، كف عَنهُ، ثمَّ قَالَ: مَا قلت، يَا كلب؟ فأنشده قصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا:
هَل تطمسون من السَّمَاء نجومهابأكفكم أم تسترون هلالها؟
أم تدفعون مقَالَة عَن ربه؟جِبْرِيل بلغَهَا النَّبِي فَقَالَهَا
شهِدت من الْأَنْفَال آخر آيَةبتراثهم فأردتمُ إِبْطَالهَا
فدعوا الْأسود خوادرا فِي غيلهالَا تولغن دماءكم أشبالها
قَالَ: فَأمر بِإِطْلَاقِهِ، وَأَن يدْفع إِلَيْهِ ثَلَاثُونَ ألف دِرْهَم.
فَلَمَّا خرج؛ قَالَ: يَا أصمعي، تَدْرِي من هَذِه الصبية؟ قلت: لَا أَدْرِي.
قَالَ: هَذِه مؤنسة بنت أَمِير الْمُؤمنِينَ، فدعوت لَهُ وَلها، وتأملته، فَإِذا هُوَ شَارِب ثمل.
قَالَ: قُم فَقبل رَأسهَا.
فَقلت: أفلتّ من وَاحِدَة، وَدفعت إِلَى أُخْرَى أَشد مِنْهَا، إِن أطعته أَدْرَكته الْغيرَة فقتلني، وَإِن عصيته قتلني بمعصيتي لَهُ، فَلَمَّا أحب الله، ﷿، من تَأْخِير أَجلي، ألهمني أَن وضعت كمي على رَأسهَا، وَقبلت كمي.
فَقَالَ: وَالله يَا أصمعي، لَو أخطأتها لقتلتك، أَعْطوهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم، وَالْحق بدارك.
فَخرجت وَأَنا مَا أصدق بالسلامة، فَكيف بالحباء والكرامة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع