من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
عُرْوَة بن أذينة يفد على هِشَام بن عبد الْملك
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ، عَن يحيى بن عُرْوَة بن أذينة، قَالَ: أضاق أبي إضاقة شَدِيدَة، وتعذرت عَلَيْهِ الْأُمُور، فَعمل شعرًا امتدح بِهِ هِشَام بن عبد الْملك.
وَدخل عَلَيْهِ فِي جملَة الشُّعَرَاء، فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ؛ نسبهم، فعرفهم جَمِيعًا، وَقَالَ لأبي: أَنْشدني قَوْلك: لقد علمت....، فأنشده:
لقد علمت وَمَا الإشراف من خلقيأَن الَّذِي هُوَ رِزْقِي سَوف يأتيني
أسعى لَهُ فيعنّيني تطلبهوَلَو جَلَست أَتَانِي لَا يعنّيني
وَأي حَظّ امْرِئ لَا بُد يبلغهُيَوْمًا وَلَا بُد أَن يحتازه دوني
لَا خير فِي طمع يهدي إِلَى طبعوعلقة من قَلِيل الْعَيْش تكفيني
لَا أركب الْأَمر تزري بِي عواقبهوَلَا يعاب بِهِ عرضي وَلَا ديني
أقوم بِالْأَمر إِمَّا كَانَ من أربيوَأكْثر الصمت فِيمَا لَيْسَ يعنيني
كم من فَقير غَنِي النَّفس تعرفهوَمن غَنِي فَقير النَّفس مِسْكين
وَكم عَدو رماني لَو قصدت لَهُلم يَأْخُذ الْبَعْض مني حِين يرميني
وَكم أَخ لي طوى كشحا فَقلت لَهُإِن انطواءك عني سَوف يطويني
لَا أَبْتَغِي وصل من يَبْغِي مفارقتيوَلَا أَلين لمن لَا يَبْتَغِي ليني
فَقَالَ هِشَام: أَلا جَلَست فِي بَيْتك، حَتَّى يَأْتِيك رزقك؟ قَالَ: وغفل عَنهُ هِشَام، فَخرج من وقته، وَركب رَاحِلَته، وَمضى منصرفا.
فافتقده هِشَام، فَسَأَلَ عَنهُ، فَعرف خَبره، فَأتبعهُ بجائزة.
فَمضى الرَّسُول، فَلحقه على ثَلَاثَة فراسخ، وَقد نزل على مَاء يتغدى عَلَيْهِ.
فَقَالَ لَهُ: يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ: أردْت أَن تكذبنا، وَتصدق نَفسك؟ هَذِه جائزتك.
فَقَالَ: قل لَهُ: قد صدقني الله، وأتاني برزقي بِحَمْدِهِ.
قَالَ يحيى: وَفرض لَهُ فريضتين، كنت فِي إِحْدَاهمَا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع