تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

خرج ليغير فَوَقع على زيد الْخَيل

أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن، قَالَ: أَخْبرنِي عبد الله بن أَحْمد، قَالَ: حَدثنَا ابْن دُرَيْد، بِإِسْنَاد ذكره عَن هِشَام بن مُحَمَّد بن السَّائِب الْكَلْبِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي شيخ من بني شَيبَان، قَالَ: أَصَابَت بني شَيبَان سنة ذهبت بالأموال، فَخرج رجل مِنْهُم بعياله حَتَّى أنزلهم الْحيرَة.

وَقَالَ لَهُم: كونُوا قَرِيبا من الْملك يُصِيبكُم من خَيره، إِلَى أَن أرجع إِلَيْكُم.

وَخرج على وَجهه لما قد حل بِهِ، يؤمل أَن يكْسب مَا يعود بِهِ على عِيَاله، وَقد جهده الْفقر، وَبلغ بِهِ الطوى.

فَحدث، قَالَ: مشيت يَوْمًا وَلَيْلَة، بِحَيْثُ لَا أَدْرِي إِلَى أَيْن أتوجه، غير أَنِّي أجوب فِي الْبِلَاد.

فَلَمَّا كَانَ من الْغَد عشَاء، إِذا بِمهْر مُقَيّد حول خباء، فَقلت: هَذَا أول الْغَنِيمَة.

فحللته، فَلم أذهب إِلَّا قَلِيلا، حَتَّى نوديت: خل عَن الْمهْر، وَإِلَّا اختلجت مهجتك.

قَالَ: فَنزلت عَنهُ، وَتركته، ومضيت وَقد تحيرت فِي أَمْرِي، واغتممت غما شَدِيدا.

فسرت سَبْعَة أَيَّام، حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى مَوضِع عطن أباعر، مَعَ تطفيل الشَّمْس، فَإِذا خباء عَظِيم، وقبة من أَدَم.

فَقلت: مَا لهَذَا الخباء بُد من أهل، وَمَا لهَذِهِ الْقبَّة بُد من رب، وَمَا لهَذَا العطن بُد من إبل.

فَنَظَرت فِي الخباء فَإِذا شيخ قد اخْتلفت ترقوتاه، وَكَأَنَّهُ نسر.

قَالَ: فَجَلَست خَلفه، فَلَمَّا وَجَبت الشَّمْس، إِذا أَنا بِفَارِس قد أقبل، لم أر قطّ فَارِسًا أجمل مِنْهُ، وَلَا أجسم، على فرس عَظِيم، وَمَعَهُ أسودان يمشيان إِلَى جَنْبَيْهِ، وَإِذا مائَة من الْإِبِل مَعَ فَحلهَا، فبرك الْفَحْل، وبركن حوله.

وَنزل الْفَارِس، وَقَالَ لأحد عبديه: احلب فُلَانَة، ثمَّ اسْقِ الشَّيْخ.

قَالَ: فَحلبَ فِي عس حَتَّى ملأَهُ، ثمَّ جَاءَ بِهِ فَوَضعه بَين يَدي الشَّيْخ، وَتَنَحَّى.

فكرع مِنْهُ مرّة، أَو مرَّتَيْنِ، ثمَّ نزع، فثرت، فَشَربته.

فَرجع العَبْد، فَأخذ العطس، فَقَالَ: يَا مولَايَ، قد أَتَى على آخِره.

قَالَ: ففرح بذلك، وَقَالَ: احلب فُلَانَة، فحلبها، ثمَّ جَاءَ بالعس، فَوَضعه بَين يَدي الشَّيْخ.

فكرع مِنْهُ كرعة وَاحِدَة، ثمَّ نزع فثرت إِلَيْهِ، فَشَرِبت نصفه، وكرهت أَن أتهم، إِن أتيت على آخِره.

ثمَّ جَاءَ العَبْد، وَأخذ الْعس، وَقَالَ: يَا مولَايَ، قد شرب.

قَالَ: دَعه، ثمَّ أَمر بِشَاة، فذبحت، وشوى للشَّيْخ مِنْهَا، وَأكل هُوَ وعبداه.

فأمهلت حَتَّى نَامُوا، وَسمعت الغطيط، فثرت إِلَى الْفَحْل، فحللت عقاله،

ثمَّ ركبته، فَانْدفع بِي، واتبعته الْإِبِل، فسللتها لَيْلَتي كلهَا حَتَّى أَصبَحت.

فَلَمَّا أَسْفر الصُّبْح، نظرت فَلم أر أحدا، فسللتها سلا عنيفا، حَتَّى تَعَالَى النَّهَار، فالتفتّ التفاتة، فَإِذا بِشَيْء كَأَنَّهُ طَائِر، فَمَا زَالَ يدنو حَتَّى تبينته، فَإِذا هُوَ فَارس على فرس، وَإِذا هُوَ صَاحِبي البارحة.

فعقلت الْفَحْل، ونثلت كِنَانَتِي، ووقفت بَينه وَبَين الْإِبِل.

فَدَنَا مني، وَقَالَ: حل عقاله.

فَقلت: كلا، وَالله، لقد أضرّ بِي الْجهد، وخلفت نسيات، وصبية بِالْحيرَةِ، وآليت أَن لَا أرجع إلَيْهِنَّ إِلَّا بعد أَن أفيدهن خيرا، أَو أَمُوت.

قَالَ: فَإنَّك ميت، حل عقاله.

قلت: هُوَ ذَاك.

قَالَ: إِنَّك لمغرور، أنصب لي خطامه، وَفِي خطامه خمس عجر، فنصبته.

قَالَ: أَيْن تُرِيدُ أَن أَضَع سهمي؟ قلت: فِي هَذَا الْموضع.

قَالَ: فَكَأَنَّمَا وَضعه بِيَدِهِ، حَتَّى والى بَين خَمْسَة أسْهم.

قَالَ: فرددن نبلي، ودنا هُوَ، فَأخذ الْقوس وَالسيف.

وَقَالَ: ارتدف خَلْفي، فَفعلت.

فَقَالَ لي: وَقد عرف أَنِّي أَنا الَّذِي شربت اللَّبن عِنْد الشَّيْخ: مَا ظَنك بِي؟ قلت: أحسن الظَّن، مَعَ مَا لقِيت مني من تَعب ليلتك، وَقد أظفرك الله بِي.

فَقَالَ: أَتَرَى كُنَّا يلحقك منا سوء، وَقد بت تنادم مهلهلا ليلتك.

قلت: زيد الْخَيل أَنْت؟ قَالَ: نعم، أَنا زيد الْخَيل.

قلت: كن خير آخذ.

قَالَ: لَيْسَ عَلَيْك بَأْس.

فَمضى إِلَى مَوْضِعه الَّذِي كَانَ بِهِ، ثمَّ قَالَ: أما لَو كَانَت هَذِه الْإِبِل لي لسلمتها إِلَيْك، وَلكنهَا لابنَة مهلهل، فأقم عِنْدِي، فَإِنِّي على شرف غَارة.

فأقمت أَيَّامًا، ثمَّ أغار على بني نمير بالملح، فَأصَاب مائَة بعير.

فَقَالَ: هَذِه أحب إِلَيْك، أم تِلْكَ؟ فَقلت: هَذِه، فَأَعْطَانِيهَا.

قَالَ: فَقلت: ابْعَثْ معي خفراء، فَفعل.

وعدت إِلَى وطني، وَفرج الله بكرمه عني، وَأصْلح حَالي.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.