من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الْمُعْتَمد يَأْمر بِقطع يَد غُلَام من غلمانه ثمَّ يعْفُو عَنهُ
بَلغنِي أَن أَبَا مُحَمَّد بن حمدون، قَالَ: اشْتهى الْمُعْتَمد أَن يتَّخذ لَهُ فرش ديباج، بستوره وَجَمِيع آلاته، على صُورَة صورها، وألوان اقترحها.
فَعمل ذَلِك بتنيس، وَحمل إِلَيْهِ، فسر بِهِ غَايَة السرُور، وَتقدم، فنجد، ونضد، وَنصب، وأحضرني والندماء، وَهُوَ يَأْكُل فِيهِ، فَمَا منا إِلَّا من وَصفه وَاسْتَحْسنهُ، ثمَّ قَامَ لينام وينتبه، فيشرب فِيهِ، وصرفنا.
فَمَا شعرنَا إِلَّا وَقد امْتَلَأت الدَّار ضجة وصياحا، ودعا بِنَا، فوجدناه يزأر كالأسد.
وَإِذا نصف ستر من تِلْكَ الستور قد قطع، وَهُوَ يَقُول: لَيْسَ بِي قِطْعَة، وَلَا قِيمَته؛ لِأَنَّهُ يمكنني أَن أسْتَعْمل مَكَانَهُ، وَإِنَّمَا بِي أَنه نغص عَليّ السرُور بِهِ أول يَوْم، واجترأ عَليّ بِمثل هَذَا الْفِعْل، وأصعب من هَذَا أَنه
قطعه وَأَنا أرَاهُ، وغاص الَّذِي قطعه عَن عَيْني فَلم أثْبته.
ثمَّ دَعَا بنحرير الْخَادِم وَحلف لَهُ بأيمان مُغَلّظَة، أَنه إِن لم يبْحَث إِلَى أَن يحضر الْجَانِي، ليضربن عُنُقه، وَجلسَ على حَاله مغضبا.
وَمضى نحرير، فَمَا أبعد حَتَّى أحضر صَبيا من الفراشين، كَأَنَّهُ الْبَدْر حسنا، وَقطعَة الديباج مَعَه، وَقد أقرّ بقطعها، وَاعْتذر، وبذل التَّوْبَة، وَهُوَ يبكي، وَيسْأل الْإِقَالَة.
فَلم يسمع الْمُعْتَمد مِنْهُ ذَلِك، وَأمر نحرير أَن يُخرجهُ، فَيقطع يَده، فَأخْرج، وَمَا منا إِلَّا من آلمه قلبه عَلَيْهِ؛ لملاحة وَجهه، وَصغر سنه، وَلَيْسَ منا من يَجْسُر على مَسْأَلَة الْمُعْتَمد فِيهِ، وَنحن قيام سكُوت.
حَتَّى صرخَ الْمُعْتَمد على الله من يَده صراخا عَظِيما وتأوه، وَقَالَ: قد دخل شَيْء فِي أُصْبُعِي السَّاعَة، وَزَاد الْأَلَم عَلَيْهِ، وَجِيء بِمن رَآهَا، فأحضر منقاشا، فأخرجت من إصبعه شظية من قصب كالشعرة، فَمَا نَدْرِي مِم يتعجب، من صغرها؟ أَو من دُخُولهَا فِي لَحْمه مَعَ ضعفها؟ أَو من شدَّة إيلامها إِيَّاه، وَمن كَونهَا فَوق الديباج سَاعَة طرح ونفض؟ فَلَمَّا استراح؛ قَالَ: يَا قوم، إِن كَانَ هَذَا الْقدر الْيَسِير قد آلمني هَذَا الْأَلَم الْكثير، فَمَا حَال هَذَا الصَّبِي الَّذِي أمرنَا بِقطع يَده؟ قُلْنَا: أَسْوَأ حَال وأشدها، فَيجب أَن تجْعَل الْعَفو عَنهُ شكرا لما كفيته.
فَقَالَ: ابْعَثُوا إِلَى نحرير من يلْحقهُ، فَإِن كَانَ لم يقطعهُ؛ منع من قطعه.
فتسابق الغلمان، فلحقوه، وَالزَّيْت يغلي، وَقد مدت يَده لتقطع، فخلوه، وَسلم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع