من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
غُدَّة كَغُدَّة الْبَعِير وَمَوْت فِي بَيت سَلُولِيَّة
؟
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَسَّانَ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: وَأَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ، عَمُّ أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي ظَمْيَاءُ بِنْتُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَوَلَةَ، قَالَتْ: كَانَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فَارِسَ قَيْسٍ، وَكَانَ عَمِيقًا، وَكَانَ أَعْوَرَ.
وَكَانَ النَّبِيُّ، ﷺ، قَدْ رُمِيَ مِنْهُ، وَمِنْ أَرْبَدَ، أَخِي لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ، بِمَا أَهَمَّهُ، ﵇؛
وَذَلِكَ أَنَّهُمَا أَتَيَاهُ، فَلَقِيَهُمَا، فَوَسَّدَ عَامِرًا وِسَادَةً، وَقَالَ: «أَسْلِمْ، يَا عَامِرُ».
قَالَ: عَلَى أَنْ تَجْعَلَ لِي الْوَبَرَ، وَلَكَ الْمَدَرَ؟ فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ.
قَالَ: فَعَلَى أَنْ تَجْعَلَنِي الْخَلِيفَةَ بَعْدَكَ، إِنْ أَنَا أَسْلَمْتُ؟ قَالَ: «لَا».
قَالَ: فَمَا الَّذِي تَجْعَلُ لِي؟ قَالَ: «أَعِنَّةَ الْخَيْلِ، تُقَاتِلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
قَالَ: أَوَلَيْسَتْ أَعِنَّةُ الْخَيْلِ بِيَدِي الْيَوْمَ؟ وَوَلَّى عَامِرٌ مُغْضَبًا، وَهُوَ يَقُولُ: لأَمْلأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلا جُرْدًا، وَرِجَالا مُرْدًا، وَلأَرْبِطَنَّ عَلَى كُلِّ نَخْلَةٍ فَرَسًا.
وَقَالَ عَامِرٌ لأَرْبَدَ: إِمَّا أَنْ تَقْتُلَهُ وَأَكْفِيكَهُ، وَإِمَّا أَنْ أَقْتُلَهُ وَاكْفِنِيهِ.
قَالَ أَرْبَدُ: اكْفِنِيهِ، وَأَنَا أَقْتُلُهُ.
فَانْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَقَالَ عَامِرٌ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً.
قَالَ: «اقْتَرِبْ».
فَاقْتَرَبَ حَتَّى حَنَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وَسَلَّ أَرْبَدُ سَيْفَهُ، وَأَبْصَرَ رَسُولُ اللَّهِ بَرِيقَهُ، فَتَعَوَّذَ مِنْهُ بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، تَعَالَى، فَأَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، وَيَبِسَتْ يَدُهُ عَلَى السَّيْفِ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ.
فَلَمَّا رَأَى عَامِرٌ أَرْبَدَ لَا يَصْنَعُ شَيْئًا؛ انْصَرَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ.
وَقَالَ لأَرْبَدَ: مَا مَنَعَكَ مِنْهُ؟ قَالَ: إِنِّي لَمَّا سَلَلْتُ بَعْضَ سَيْفِي؛ يَبِسَتْ يَدِي، فَوَاللَّهِ مَا قَدَرْتُ عَلَى سَلِّهِ.
قَالَ ابْنُ سَلامٍ: وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا أَرَدْتُ سَلَّ سَيْفِي؛ نَظَرْتُ فَإِذَا فَحْلٌ مِنَ الإِبِلِ قَطِمٌ، فَاغِرٌ فَاهُ، بَيْنَ يَدَيْهِ، يَهْوِي إِلَيَّ، فَوَاللَّهِ، لَوْ سَلَلْتُهُ لَخِفْتُ أَنْ يَبْتَلِعَ رَأْسِي.
ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ، أَرِحْنِي مِنْهُمَا، وَاكْفِنِيهِمَا».
فَأَمَّا أَرْبَدُ؛ فَأَرْسَلَ اللَّهُ، تَعَالَى، عَلَيْهِ صَاعِقَةً، فَأَحْرَقَتْهُ.
وَأَمَّا عَامِرٌ؛ فَطُعِنَ فِي عُنُقِهِ، فَأَخَذَتْهُ غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْجَمَلِ، فَلَجَأَ إِلَى بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ سَلُولَ.
فَلَمَّا غَشِيَهُ الْمَوْتُ؛ جَعَلَ يَقُولُ: غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ، وَمَوْتٌ فِي بَيْتِ سَلُولِيَّةٍ! ثُمَّ مَاتَ.
وَفِي أَرْبَدَ نَزَلَ قَوْلُهُ، تَعَالَى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾
وَفِي أَرْبَد يَقُول لبيد أَخُوهُ
أخْشَى على أَرْبَد الحتوف وَلَاأرهب نوء السَّمَاء والأسل
أفجعني الرَّعْد وَالصَّوَاعِقبالفارس يَوْم الكريهة النجل
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع