من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
منع الله سوارا من الطَّعَام وَالشرَاب وَجَاء بِهِ حَتَّى أقعده بَين يَديك
ذكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن أبي العشير، عَن إِسْحَاق بن يحيى بن معَاذ، وَقَالَ: حَدثنِي سوار، صَاحب رحبة سوار، قَالَ: انصرفت من دَار الْمهْدي، فَلَمَّا دخلت منزلي؛ دَعَوْت بالغداء، فحاشت نَفسِي، فَأمرت بِهِ فَرد.
ثمَّ دَعَوْت بالنرد، ودعوت جَارِيَة لي ألاعبها، فَلم تطب نَفسِي بذلك، وَدخلت القائلة، فَلم يأخذني النّوم.
فَنَهَضت، وَأمرت ببغلة لي شهباء، فأسرجت، فركبتها، فَلَمَّا خرجت استقبلني وَكيل لي وَمَعَهُ ألفا دِرْهَم.
فَقلت لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: ألفا دِرْهَم، جبيتها من مستغلك الْجَدِيد.
قَالَ: قلت: أمْسكهَا مَعَك، واتبعني.
قَالَ: ومضيت، وخليت رَأس البغلة، حَتَّى عبرت الجسر، ثمَّ مَضَت بِي فِي شَارِع دَار الرَّقِيق، حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى الصَّحرَاء، ثمَّ رجعت إِلَى
بَاب الأنبار، فطوفت، فَلَمَّا صرت فِي شَارِع بَاب الأنبار؛ انْتَهَيْت إِلَى بَاب دَار لطيف، عِنْده شَجَرَة، وعَلى الْبَاب خَادِم، فوقفت، وَقد عطشت.
فَقلت للخادم: أعندك مَا تسقينيه؟ قَالَ: نعم، فَأخْرج قلَّة نظيفة طيبَة الرّيح، عَلَيْهَا منديل، فناولنيها، فَشَرِبت.
وَحضر وَقت الْعَصْر، فَدخلت مَسْجِدا، فَصليت فِيهِ، فَلَمَّا قضيت صَلَاتي، إِذا أَنا بأعمى يتلمس.
قلت: مَا تُرِيدُ يَا هَذَا؟ قَالَ: إياك أُرِيد.
قلت: وَمَا حَاجَتك؟ فجَاء، حَتَّى قعد إِلَيّ، فَقَالَ: شممت مِنْك رَائِحَة الطّيب، فتخيلت أَنَّك من أهل النِّعْمَة، فَأَرَدْت أَن ألقِي إِلَيْك شَيْئا.
فَقلت: قل.
قَالَ: أَتَرَى هَذَا الْقصر؟ قلت: نعم.
قَالَ: هَذَا قصر كَانَ لأبي، فَبَاعَهُ، وَخرج إِلَى خُرَاسَان، وَخرجت مَعَه، فَزَالَتْ عَنَّا النِّعْمَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا، فَأتيت صَاحب الدَّار؛ لأسأله شَيْئا يصلني بِهِ، فَإِنِّي فِي ضنك شَدِيد، وضغطة عَظِيمَة، ورزوح حَال قَبِيح، وأصير إِلَى سوار، فَإِنَّهُ كَانَ صديقا لأبي.
قلت: وَمن أَبوك؟ قَالَ: فلَان بن فلَان، فَإِذا أصدق النَّاس، كَانَ، لي.
فَقلت: يَا هَذَا، إِن الله قد أَتَاك بِسوار، مَنعه الطَّعَام وَالشرَاب وَالنَّوْم، حَتَّى جَاءَ بِهِ فأقعده بَين يَديك.
ثمَّ دَعَوْت الْوَكِيل، وَأخذت مِنْهُ الألفي دِرْهَم، فدفعتها إِلَيْهِ، وَقلت لَهُ: إِذا كَانَ غَدا، فصر إِلَيّ، إِلَى الْمنزل.
ثمَّ مضيت، فَقلت: مَا أحدث الْمهْدي بِشَيْء أطرف من هَذَا، فَأَتَيْته، فاستأذنت عَلَيْهِ، فَأذن لي، فَحَدَّثته بِالْحَدِيثِ، فأعجب بِهِ، وَأمر لي بألفي دِينَار، فأحضرت.
فَقَالَ لي: ادفعها إِلَيْهِ.
قَالَ: فَنَهَضت، فَقَالَ لي: اجْلِسْ، أعليك دين؟ قلت: نعم.
قَالَ: كم مبلغه؟ قلت: خَمْسُونَ ألف دِينَار.
فَقَالَ: تحمل إِلَيْك، فَاقْض بهَا دينك، فقبضتها.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد؛ أَبْطَأَ عَليّ المكفوف، وأتاني رَسُول الْمهْدي، يدعوني، فَجِئْته.
فَقَالَ: فَكرت فِي أَمرك، فَقلت: يقْضِي دينه، ثمَّ يحْتَاج إِلَى الْحِيلَة وَالْقَرْض، وَقد أمرت لَك بِخَمْسِينَ ألف دِينَار أُخْرَى.
قَالَ: فقبضتها، وانصرفت.
فَجَاءَنِي المكفوف، فَدفعت إِلَيْهِ الألفي دِينَار، وَقلت لَهُ: قد رزق الله خيرا كثيرا، وأعطيته من مَالِي ألفي دِينَار أُخْرَى، فَقبض أَرْبَعَة آلَاف دِينَار، ودعا لي، وَقَالَ: وَالله، مَا ظَنَنْت أَنِّي أصل مِنْك، وَلَا من أحد من أهل هَذِه الْبِلَاد، إِلَى عشر هَذَا المَال، فجزاك الله خيرا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع