تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أمدح بَيت قالته الْعَرَب

قَالَ الْمفضل بن مُحَمَّد الضَّبِّيّ: أَصبَحت يَوْمًا بِبَغْدَاد، فِي خلَافَة الْمهْدي، وَأَنا من أَشد النَّاس إضاقة وضرا، لَا أَدْرِي مَا أعمل، حيرة وفكرا.

فَخرجت فَجَلَست على بَاب منزلي بالصراة، أفكر فِيمَا أصنع، فَإِذا أَنا برَسُول الْمهْدي، قد وقف عَليّ.

فَقَالَ: أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ، فراعني، وساء ظَنِّي.

فَقلت: أَدخل، فألبس ثِيَابِي.

فَقَالَ: مَا إِلَى ذَلِك سَبِيل.

فَاشْتَدَّ جزعي، وخشيت أَن يأخذني بِمَا كَانَ بيني وَبَين إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن حسن بن حسن، ﵃.

فاستدعيت ثِيَابِي، وجددت وضُوءًا على الْبَاب، وَلم أخبر أَهلِي بقصتي،

وَلَا بِمَا هجم من الْغم عَليّ.

وَقلت: إِن كَانَ خيرا، أَو شرا، فسيبلغهم، فَمَا معنى تَعْجِيل الْهم لَهُم؟ ومضيت مَعَ الرَّسُول، حَتَّى دخلت على الْمهْدي، وَأَنا فِي نِهَايَة الْجزع، فَسلمت، فَرد عَليّ السَّلَام.

فَقلت فِي نَفسِي: لَيْسَ إِلَّا خيرا.

فَقَالَ: لَهُ اجْلِسْ يَا مفضل، فَجَلَست.

فَقَالَ: أَخْبرنِي عَن أمدح بَيت قالته الْعَرَب.

فتبلدت سَاعَة، لَا أذكر شَيْئا، ثمَّ أجْرى الله على لساني، أَن قلت: قَول الخنساء.

فأشرق وَجهه، وَقَالَ: حَيْثُ تَقول مَاذَا؟ فَقلت: حَيْثُ تَقول:

وَإِن صخرا لوالينا وَسَيِّدنَاوَإِن صخرا إِذا نشتو لنحّار
للشاعر الخنساء، من قصيدة «قذى بعينك أم بالعين عوار»
وَإِن صخرا لتأتم الهداة بِهِكَأَنَّهُ علم فِي رَأسه نَار
للشاعر الخنساء، من قصيدة «قذى بعينك أم بالعين عوار»

فَاسْتَبْشَرَ بِهِ، وَقَالَ: قد أخْبرت هَؤُلَاءِ بِهَذَا، وَأَوْمَأَ إِلَى جمَاعَة بَين يَدَيْهِ، فَلم يقبلُوا مني.

قلت: كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ أَحَق بِالصَّوَابِ مِنْهُم.

قَالَ: يَا مفضل، حَدثنِي الْآن.

قلت: أَي الْأَحَادِيث؟

قَالَ: أَحَادِيث الْأَعْرَاب.

فَلم أزل أحدثه، بِأَحْسَن مَا أحفظ مِنْهَا، إِلَى أَن كَاد الْمُنَادِي بِالظّهْرِ أَن يُنَادي.

ثمَّ قَالَ لي: كَيفَ حالك، يَا مفضل؟ قلت: مَا يكون حَال رجل عَلَيْهِ عشرُون ألف دِرْهَم دينا حَالا، وَلَيْسَ فِي رزقه فضل لقضائها، وقصصت عَلَيْهِ قصَّة حَالي ويومي فِي الْإِضَافَة.

فَقَالَ: يَا عمر بن بزيع، ادْفَعْ إِلَيْهِ السَّاعَة عشْرين ألف دِرْهَم يقْضِي بهَا دينه، وَعشْرين ألف دِرْهَم يصلح بهَا حَاله، وَعشْرين ألف دِرْهَم يُجهز بهَا بَنَاته، ويوسع بهَا على عِيَاله.

ثمَّ قَالَ: يَا مفضل، مَا أحس مَا قَالَ ابْن مطير، فِي مثل حالك:

وَقد تغدر الدُّنْيَا فيضحى غنيهافَقِيرا ويغنى بعد بؤس فقيرها
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة
وَكم قد رَأينَا من تكدر عيشةوَأُخْرَى صفا بعد اكدرار غديرها
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة

فَأخذت المَال، وانصرفت إِلَى بَيْتِي بستين ألف دِرْهَم، بعد الْإِيَاس، وتوطين النَّفس على ضرب الرَّقَبَة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.