تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

سفتجة بِثَلَاث صفعات يفتديها الْمحَال عَلَيْهِ بِخمْس مائَة وَخمسين دِينَارا

بَلغنِي عَن رجل من أهل ديار ربيعَة، كَانَت لَهُ حَال صَالِحَة، فَزَالَتْ، قَالَ: فلزمتني المحنة والإضاقة مُدَّة طَوِيلَة، فتحيرت وَلم أدر مَا أعمل.

وَكَانَ أَمِير النَّاحِيَة، إِذْ ذَاك، الْعَبَّاس بن عَمْرو الغنوي، وَكَانَت بيني وَبَين كَاتبه معرفَة قديمَة، فأشير عَليّ بِأَن أَلْقَاهُ، وآخذ كتابا عَن الْعَبَّاس إِلَى بعض أصدقائه من أُمَرَاء النواحي وَأخرج إِلَيْهِ، فلعلي أتصرف مَعَه، وأعود من جِهَته بفائدة أجعلها أصل معيشة.

فَلَقِيت الْكَاتِب، فَقَالَ لي: صر فِي غَد إِلَى دَار الْأَمِير، حَتَّى أكتب لَك.

فمضيت إِلَيْهِ، فَكتب لي عَنهُ كتابا مؤكدا إِلَى بعض أُمَرَاء الْأَطْرَاف من أصدقاء الْعَبَّاس، فَخرجت أُرِيد منزلي.

فَلَمَّا صرت فِي بعض الممرات وَأَنا رجل طَوِيل مبدن، وَكنت قد حلقت رَأْسِي، وَعَلِيهِ منديل خَفِيف، قد أطارته الرّيح، فانكشف، وَلعلَّة انشغال قلبِي بأَمْري لم أرد المنديل.

وَإِذا بصفعة قد جَاءَت، كَادَت تكبني على وَجْهي، وتوالت بعْدهَا اثْنَتَانِ.

فالتفتّ، فَإِذا الْعَبَّاس بن عَمْرو، وَقد خرج إِلَى مَوضِع من مَوَاضِع الدَّار، وَكَانَ مشتهرا بالمصافعة، مكاشفا بهَا، هُوَ، وَجَمَاعَة من قواد المعتضد، أصدقاء أخلاء، يستعملون ذَلِك، ويكاشفون بِهِ.

فقبضت على يَده، وَقلت: مَا هَذَا، أَيهَا الْأَمِير؟ مَا أُفَارِقك، أَو تُعْطِينِي شَيْئا أنتفع بِهِ عوضا عَن هَذَا الْفِعْل.

فدافعني، وَأَنا متشبث بِهِ، وَسقط الْكتاب من كمي، فَقَالَ: مَا هَذَا الْكتاب؟ قلت: كتاب كتب لي عَنْك إِلَى فلَان؛ لأخرج إِلَيْهِ، فلعلي أتصرف مَعَه، أَو يبرني بِشَيْء.

فَقَالَ: هوذا، أكتب لَك عَلَيْهِ سفتجة بالصفع، فَإِنَّهُ يفتديها مِنْك بِمَا تنْتَفع بِهِ.

واستدعى دَوَاة، وَكتب لي إِلَى الرجل سفتجة، كَمَا يكْتب التُّجَّار، بِثَلَاث مكتوبات، كِنَايَة عَن ثَلَاث صفعات.

فَأخذ الْكتاب، وانصرفت مُتَعَجِّبا مِمَّا جرى عَليّ، وَمن حرفتي فِي

أَن الْعَبَّاس لم يسمح لي بِشَيْء، مَعَ جوده، وتحملت، وَخرجت إِلَى ذَلِك الْبَلَد، فأوصلت الْكتاب الَّذِي كتبه لي الْكَاتِب عَنهُ.

فردني ذَلِك الْأَمِير أقبح رد، وآيسني، وَقَالَ: قد بلينا بهؤلاء الشحاذين، يجيئونا فِي كل يَوْم بكتب لَا تَسَاوِي مدادها، ويقطعونا عَن أشغالنا، انْصَرف، فمالك عِنْدِي تصرف، وَلَا بر.

فورد عَليّ مَا لم أر مثله، وَمَا هالني وَقطع بِي، وَكنت قد سَافَرت إِلَيْهِ، وَقطعت شقة بعيدَة، فَانْصَرَفت أسوء النَّاس حَالا.

وفكرت لَيْلَتي، فَقلت: لَيْسَ إِلَّا الْعود إِلَيْهِ ومداراته، فَلَعَلَّ أَن يعطيني قدر نَفَقَة الطَّرِيق، فأتحمل بهَا.

فعدت إِلَيْهِ، وخاطبته بِكُل رفق وخضوع وسؤال وَهُوَ يخْش عَليّ، ويؤيسني، إِلَى أَن قَالَ لحاجبه: أخرجه عني، وَلَا تَدعه بعْدهَا يدْخل إِلَيّ.

فورد عَليّ أعظم من الأول، وَخرجت أخزى خُرُوج، وأقمت أَيَّامًا لَا أَعُود إِلَيْهِ، وَلَا أَدْرِي مَا أصنع، إِلَّا أَن بقالا فِي الْمحلة الَّتِي نزلتها يعطيني خبْزًا وإداما بنسيئة.

فَجَلَست إِلَيْهِ يَوْمًا وَأَنا متحير، وَالْغَم بَين عَليّ، فَسمِعت قَائِلا يَقُول: إِن الْأَمِير قد جلس للمظالم، جُلُوسًا ارْتَفع عَنهُ الْحجاب فِيهِ، ففكرت كَيفَ أعمل؟ وَذكرت الْكتاب بالسفتجة، فَقلت: أَمْشِي وأجعلها نادرة كالظلامة، فَإِن أَعْطَانِي شَيْئا، وَإِلَّا فضحته بَين رَعيته، وانصرفت.

فَأخذت السفتجة، وَجئْت، فَلم أصادف بِالْبَابِ من يَمْنعنِي، فَدخلت إِلَيْهِ.

فحين رَآنِي اغتاظ عَليّ، وَقَالَ لحاجبه: ألم آمُرك أَن لَا تدخل هَذَا إِلَيّ؟ فَقَالَ: كَانَ الْإِذْن عَاما، وَلم يُمَيّز.

فَأقبل الْأَمِير عَليّ، فَقَالَ: ألم أقل لَك، وأؤيسك مني؟ فَمَا هَذِه الْمُلَازمَة،

كَأَن لَك عَليّ دينا، أَو سفتجة؟ فَقلت: نعم، لي على الْأَمِير، أعزه الله، سفتجة.

فازداد غيظه، وَقَالَ كالمتعجب: سفتجة، سفتجة؟ فأخرجتها، فدفعتها إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَرَأَهَا؛ عرف الْخط وَالْخطاب، فَنَكس رَأسه سَاعَة، خجلا، ثمَّ قَالَ لكاتب كَانَ بَين يَدَيْهِ، شَيْئا لَا أعلمهُ.

فجذبني الْكَاتِب، وَقَالَ: إِن الْأَمِير قد تذمم مِمَّا عاملك بِهِ، وَأَمرَنِي بِدفع مائَة دِينَار إِلَيْك، فَقُمْ معي لتأخذها.

فَقلت: مَا قصدت الْأَمِير ليبرني، أَنا رجل أوصلت إِلَيْهِ سفتجة بِمَال، فإمَّا قبلهَا فأعطانيه فَمَا أُرِيد غَيره، وَلَا أستزيد عَلَيْهِ، وَلَا أنقص مِنْهُ شَيْئا، وَإِمَّا كتب لي على السفتجة: رَاجِعَة، فأخذتها، وانصرفت.

فساره الْكَاتِب بِمَا قلت، وَقَوي طمعي فِي الصنع، فَالْتَفت إِلَيّ الْكَاتِب، وَقَالَ: قد جعلهَا لَك الْأَمِير مِائَتي دِينَار، فانهض لتأخذها.

فَقلت، لمن يَقُول هَذَا: مَا عِنْدِي غير مَا سَمِعت، ولان الْأَمِير، وتشددت، وَلم يزل الْكَاتِب يتوسط بَيْننَا، إِلَى أَن بذل خمس مائَة دِينَار.

فَقلت: على شَرط أَنِّي لَا أَبْرَح من هَذَا الْمجْلس حَتَّى أقبضها وأسلمها إِلَى يَد تَاجر، وآخذ مِنْهُ سفتجة بهَا، وَيدْفَع إِلَيّ نَفَقَة تكفيني إِلَى أَن أعرف صِحَة السفتجة، ثمَّ أتحمل بباقي ذَلِك.

فأجبت إِلَى ذَلِك، وأحضر التَّاجِر وَالْمَال، وَأخذت مِنْهُ سفتجة، ودفعوا لي خمسين دِينَارا للنَّفَقَة، وأقمت مُدَّة، إِلَى أَن عرفت خبر صِحَة السفتجة، وتحملت بِبَقِيَّة النَّفَقَة إِلَى بلدي.

وَحصل لي المَال، فَجَعَلته بضَاعَة فِي متجر، صلحت بِهِ حَالي، إِلَى الْآن.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.