تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أَخذ الصينية من لَا يردهَا وَرَآهُ من لَا ينم عَلَيْهِ

وروت الْفرس قَرِيبا من هَذَا، فَذكرُوا أَن بعض مُلُوكهمْ، سخط على حَاجِب لَهُ سخطا شَدِيدا، وألزمه بَيته، وَكَانَ فِيهِ كالمحبوس، وَقطع عَنهُ أرزاقه وجراياته، فَأَقَامَ على ذَلِك سِنِين، حَتَّى تهتك، وَلم تبْق لَهُ حَال.

ثمَّ بلغه أَن الْملك قد اتخذ سماطا عَظِيما، يحضرهُ النَّاس فِي غَد يَوْمه ذَلِك، فراسل أصدقاءه، وأعلمهم أَن لَهُ حَقًا يحضرهُ لبَعض وَلَده، واستعار مِنْهُم دَابَّة بسرجه ولجامه، وَغُلَامًا يسْعَى بَين يَدَيْهِ، وخلعه يلبسهَا، وسيفا، ومنطقة، فأعير ذَلِك، فلبسه، وَركب الدَّابَّة، وَخرج من منزله إِلَى أَن جَاءَ إِلَى دَار الْملك.

فَلَمَّا رَآهُ البوابون لم يشكوا فِي أَنه مَا أقدم على ذَلِك إِلَّا بِأَمْر الْملك، وتذمموا لقديم رئاسته عَلَيْهِم، فأشفقوا من عودهَا أَن يحجبوه إِلَى أَن يستثبتوا.

وَدخل هُوَ مظْهرا الْقُوَّة بِأَمْر نَفسه، وَلم تزل تِلْكَ حَاله مَعَ طَائِفَة، حَتَّى وصل إِلَى الْملك، وَقد أكل، وَهُوَ جَالس يشرف.

فَلَمَّا رَآهُ الْملك قطب، وَأنكر حُضُوره، وهم بِأَن يَأْمر بِهِ، وبالحجاب، والبوابين، فكره أَن ينغص يَوْمًا قد أفرده بالسرور على نَفسه.

وَأَقْبل الرجل يخْدم، فِيمَا كَانَ يخْدم فِيهِ قَدِيما، فازدادت الْحَال تمويها على الْحجاب والحاشية، إِلَى أَن كَاد الْمجْلس ينصرم، وغفل أَكثر من كَانَ حَاضرا عَنهُ.

فَتقدم إِلَى صينية ذهب زنتها ألف مِثْقَال، مَمْلُوءَة مسكا، فَأَخذهَا بخفة،

وَجعل الْمسك فِي كمه، والصينية فِي خفه، وَالْملك يرَاهُ.

وَخرج وَعَاد إِلَى منزله، ورد العواري إِلَى أَهلهَا، وَبَاعَ الْمسك، وَكسر الصينية، وَجعلهَا دَنَانِير، واتسع بهَا حَاله.

وأفاق الْملك، من غَد، من سكره، وَسمع من يخْدم فِي الشَّرَاب يطْلب الصينية، وقهرمان الدَّار يضْرب قوما فِي طلبَهَا، فَذكر حَدِيث الْحَاجِب، وَعلم أَنه مَا حمل نَفسه على الْغرَر الشَّديد فِي ذَلِك، إِلَّا من وَرَاء شدَّة وضر.

فَقَالَ لقهرمانة: لَا تطلب الصينية، فَمَا لأحد فِي ضياعها ذَنْب، فقد أَخذهَا من لَا يردهَا، وَرَآهُ من لَا ينم عَلَيْهِ.

فَلَمَّا كَانَ بعد سنة؛ عَاد ذَلِك الْحَاجِب إِلَى شدَّة الإضاقة، بنفاد الدَّنَانِير، وبلغه خبر سماط يكون عِنْد الْملك، فِي غَد يَوْمه، فاحتال بحيلة أُخْرَى، حَتَّى دخل إِلَى حَضْرَة الْملك، وَهُوَ يشرب.

فَلَمَّا رَآهُ الْملك؛ قَالَ: يَا فلَان، نفذت تِلْكَ الدَّنَانِير؟ فَقبل الأَرْض بَين يَدَيْهِ، وَبكى، ومرغ خديه، وَقَالَ: أَيهَا الْملك، قد احتلت مرَّتَيْنِ، على أَن تقتلني فَأَسْتَرِيح مِمَّا أَنا فِيهِ، من عظم الضّر الَّذِي أعانيه، أَو تَعْفُو عني كَمَا يَلِيق بك، وتذكر خدمتي، فأعيش فِي ظلك، وَلَيْسَت لي بعد هَذَا الْيَوْم حِيلَة.

فرق لَهُ الْملك، وَعَفا عَنهُ، وَأمر برد أرزاقه عَلَيْهِ وَنعمته، ورده إِلَى حَالَته الأولى فِي خدمته.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.