تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

هَل جَزَاء الْإِحْسَان إِلَّا الْإِحْسَان

بَلغنِي أَنه كَانَ بِالْكُوفَةِ رجل من أهل الْأَدَب والظرف، يعاشر النَّاس، وتأتيه ألطافهم، فيعيش بهَا.

ثمَّ انْقَلب الدَّهْر عَلَيْهِ، فَأمْسك النَّاس عَنهُ، وجفوه حَتَّى قعد فِي بَيته، والتجأ إِلَى عِيَاله، فشاركهن فِي فضل مغازلهن، وَاسْتمرّ ذَلِك عَلَيْهِ، حَتَّى نَسيَه النَّاس، وَلَزِمَه الْفقر.

قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنا ذَات لَيْلَة فِي منزلي، على أسوإ حَال، إِذا وَقع حافر دَابَّة، وَرجل يدق بَابي، فكلمته من وَرَاء الْبَاب.

فَقلت: مَا حَاجَتك؟ فَقَالَ: إِن أَخا لَك لَا أُسَمِّيهِ، يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام، وَيَقُول لَك: إِنِّي رجل مستتر، وَلست آنس بِكُل أحد، فَإِن رَأَيْت أَن تصير إِلَيّ، لنتحدث ليلتنا.

فَقلت فِي نَفسِي: لَعَلَّ جدي أَن يكون قد تحرّك؟ ثمَّ لم أجد لي مَا ألبسهُ، فاشتملت بإزار امْرَأَتي، وَخرجت، فَقدم إِلَيّ فرسا مجنوبا كَانَ مَعَه، فركبته إِلَى أَن أدخلني إِلَى فَتى من أجل النَّاس وأجملهم وَجها، فَقَامَ إِلَيّ، وعانقني، ودعا بِطَعَام فأكبنا، وبشراب فشربنا، وأخذنا فِي الحَدِيث، فَمَا خضت فِي شَيْء إِلَّا سبقني إِلَيْهِ.

حَتَّى إِذا صَار وَقت السحر؛ قَالَ: إِن رَأَيْت أَن لَا تَسْأَلنِي عَن شَيْء من أَمْرِي، وَتجْعَل هَذِه الزِّيَارَة بيني وَبَيْنك، إِذا أرْسلت إِلَيْك فعلت، وَهَهُنَا

دَرَاهِم تقبلهَا، وَلَا تردها، وَلَا يضيق بعْدهَا عَنْك شَيْء، فَأخْرج إِلَيّ جرابا مملوءا دَرَاهِم.

فدخلتني أريحية الشَّرَاب، فَقلت: اخترتني على النَّاس للمنادمة، ولسرك، وآخذ على ذَلِك أجرا؟ لَا حَاجَة لي فِي المَال.

فجهد بِي، فَلم آخذه، وَقدم إِلَيّ الْفرس، فركبته، وعدت إِلَى منزلي، وعيالي متطلعون لما أجيء بِهِ، فَأَخْبَرتهمْ بخبري.

وأصبحت نَادِما على فعلي، وَقد ورد عَليّ وعَلى عيالي مَا لم يكن فِي حسابنا، فَمَكثت حينا، لَا يَأْتِي إِلَيّ رَسُول الرجل، إِلَى أَن جَاءَنِي بعد مُدَّة، فصرت إِلَيْهِ، فعاودني بِمثل ذَلِك الْفِعْل، فعاودته بالامتناع، وانصرفت مخفقا، فَأَقْبَلت امْرَأَتي عَليّ باللوم والتوبيخ.

فَقلت لَهَا: أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِن عاودني وَلم آخذ مَا يعطيني.

فَمَكثت مُدَّة أطول من الأوّلة، ثمَّ جَاءَنِي رَسُوله، فَلَمَّا أردْت الرّكُوب؛ قَالَت لي امْرَأَتي: يَا ميشوم، اذكر يَمِينك، وبكاء بناتك، وَسُوء حالك.

فصرت إِلَى الرجل، فَلَمَّا أفضينا إِلَى الشَّرَاب؛ قلت لَهُ: إِنِّي أجد عِلّة تمنعني مِنْهُ، وَإِنَّمَا أردْت أَن يكون رَأْيِي معي.

فَأقبل الرجل يشرب، وَأَنا أحادثه، إِلَى أَن انبلج الْفجْر، فَأخْرج الجراب، وعاودني، فَأَخَذته، فَقبل رَأْسِي، وشكرني على قبُول بره، وَقدم إِلَيّ الْفرس، فَانْصَرَفت عَلَيْهِ، حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى منزلي، فألقيت الجراب.

فَلَمَّا رَآهُ عيالي؛ سجدن لله شكرا، وفتحناه، فَإِذا هُوَ مَمْلُوء دَنَانِير.

فأصلحت مِنْهُ حَالي، واشتريت مركوبا، وثيابا حَسَنَة، وأثاثا، وضيعة، قدرت أَن غَلَّتهَا تفي بِي وبعيالي بعدِي، واستظهرت على زماني بِبَقِيَّة الدَّنَانِير.

وانثال النَّاس عَليّ، يظهرون السرُور بِمَا تجدّد لي، وظنوا أَنِّي كنت غَائِبا

فِي انتجاع ملك، فَقدمت مثريا، وَانْقطع رسل الرجل عني.

فَبَيْنَمَا أَنا أَسِير يَوْمًا بِالْقربِ من منزلي، فَإِذا ضوضاء عَظِيمَة، وَجَمَاعَة مجتمعة.

فَقلت: مَا هَذَا؟ قَالُوا: رجل من بني فلَان، كَانَ يقطع الطَّرِيق، فَطَلَبه السُّلْطَان، إِلَى أَن عرف خَبره هَهُنَا، فهجم عَلَيْهِ، وَقد خرج على النَّاس بِالسَّيْفِ، يمْنَع نَفسه.

فقربت من الْجمع، وتأملت الرجل، فَإِذا هُوَ صَاحِبي بِعَيْنِه، وَهُوَ يُقَاتل الْعَامَّة، وَالشّرط، ويكشف النَّاس، فيبعدون عَنهُ، ثمَّ يتكاثرون عَلَيْهِ ويضايقونه.

فَنزلت عَن فرسي، وَأَقْبَلت أقوده، حَتَّى دَنَوْت مِنْهُ، وَقد انْكَشَفَ النَّاس عَنهُ.

فَقلت: بِأبي أَنْت وَأمي، شَأْنك وَالْفرس والنجاة، فَاسْتَوَى على ظَهره، فَلم يلْحق.

فَقبض عَليّ الشَّرْط، وَأَقْبلُوا عَليّ يلهزوني، ويشتموني، حَتَّى جَاءُوا بِي إِلَى عِيسَى بن مُوسَى، وَهُوَ وَالِي الْكُوفَة، وَكَانَ بِي عَارِفًا.

فَقَالُوا: أَيهَا الْأَمِير، كدنا أَن نَأْخُذ الرجل، فجَاء هَذَا، فَأعْطَاهُ فرسا نجا عَلَيْهِ.

فَاشْتَدَّ غضب عِيسَى بن مُوسَى، وَكَاد أَن يُوقع بِي، وَأَنا مُنكر لذَلِك.

فَلَمَّا رَأَيْت المصدوقة؛ قلت: أَيهَا الْأَمِير، ادنني إِلَيْك أصدقك.

فاستدناني، فشرحت لَهُ مَا كَانَ أفضت بِي الْحَال إِلَيْهِ، وَمَا عاملني بِهِ الرجل، وَأَنِّي كافأته بجميل فعله.

فَقَالَ لي سرا: أَحْسَنت، لَا بَأْس عَلَيْك.

ثمَّ الْتفت إِلَى النَّاس فَقَالَ: يَا حمقى، هَذَا يتهم؟ إِنَّمَا لفظ حافر فرسه حَصَاة، فقاده ليريحه، فغشيه رجل مستقتل بِسيف مَاض، قد نكلتم عَنهُ بأجمعكم، فَكيف كَانَ هُوَ يَدْفَعهُ عَن فرسه؟ انصرفوا، ثمَّ خلى سبيلي.

فَانْصَرَفت إِلَى منزلي، وَقد قضيت ذمام الْفَتى، وحصلت النِّعْمَة بعد الشدَّة، وَأمنت عواقب الْحَال، وَكَانَ آخر عهدي بِهِ.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.