تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الْمُنْذر بن الْمُغيرَة الدِّمَشْقِي أحد صنائع البرامكة

قَالَ مسرور الْكَبِير: استدعاني الْمَأْمُون، فَقَالَ لي: قد أَكثر عَليّ أَصْحَاب أَخْبَار السِّرّ، أَن شَيخا يَأْتِي خرائب البرامكة، فيبكي وينتحب طَويلا، ثمَّ ينشد شعرًا يرثيهم بِهِ، وينصرف، فاركب أَنْت ودينار بن عبد الله، واستترا بالجدران، فَإِذا جَاءَ الشَّيْخ فأمهلاه، حَتَّى تشاهدا مَا يفعل، وتسمعا مَا يَقُول، فَإِذا أَرَادَ الِانْصِرَاف؛ فاقبضا عَلَيْهِ، وأتياني بِهِ.

قَالَ مسرور: فركبت أَنا ودينار مغلسين، فأتينا الْموضع، فاختفينا فِيهِ، وأبعدنا الدَّوَابّ.

فَلَمَّا كَانَ آخر اللَّيْل، إِذا بخادم أسود قد أقبل، وَمَعَهُ كرْسِي حَدِيد، فطرحه، وَجَاء على أَثَره كهل، فَجَلَسَ على الْكُرْسِيّ، وَتَلفت يَمِينا وَشمَالًا، فَلم ير أحدا، فَبكى وانتحب، حَتَّى قلت: قد فَارق الدُّنْيَا، وَأَنْشَأَ يَقُول:

أما وَالله لَوْلَا خوف واشٍوَعين للخليفة لَا تنام
للشاعر أبو قابوس الحيري، اقرأ القصيدة
لطفنا حول جذعك واستلمناكَمَا للنَّاس بِالْحجرِ استلام
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة

ثمَّ بَكَى طَويلا، وَأَنْشَأَ يَقُول:

وَلما رَأَيْت السَّيْف جلل جعفراونادى منادٍ للخليفة فِي يحيى
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «ولما رأيت السيف جلل جعفرا»
بَكَيْت على الدُّنْيَا وَزَاد تأسفيعَلَيْهَا وَقلت الْآن لَا تَنْفَع الدُّنْيَا

وَذكر أبياتا طَوِيلَة، لَا تدخل فِي كتابي هَذَا، فأرويها.

قَالَ: فَلَمَّا فرغ من إنشاده وَقَامَ؛ قبضنا عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا تُرِيدُونَ؟ قلت: هَذَا دِينَار بن عبد الله، وَأَنا مسرور خَادِم أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَهُوَ يستدعيك.

فَأبْلسَ، ثمَّ قَالَ: إِنِّي لَا آمنهُ على نَفسِي فأمهلاني حَتَّى أوصِي.

فَقلت: شَأْنك وَمَا تُرِيدُ، فَقَامَ، وَسَار، وَنحن مَعَه، حَتَّى أَتَى بعض دكاكين العلافين، بفرضة الْفِيل.

فاستدعي دَوَاة وبياضا، وَكتب فِيهَا وَصيته، وَدفعهَا إِلَى الْخَادِم الَّذِي كَانَ مَعَه، وأنفذه إِلَى منزله، وسرنا بِهِ، حَتَّى أدخلْنَاهُ على الْمَأْمُون، فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ؛ زبره، وانتهره.

ثمَّ قَالَ لَهُ: من أَنْت؟ وَبِمَ اسْتحق مِنْك البرامكة مَا تصنع فِي دُورهمْ وخراباتهم؟ فَقَالَ غير هائب، وَلَا محتشم: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن للبرامكة عِنْدِي أياد، فَإِن أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ حدثته بإحداها.

فَقَالَ: هَات.

قَالَ: أَنا الْمُنْذر بن الْمُغيرَة الدِّمَشْقِي، من ذَوي الْحسب، نشأت فِي ظلّ نعم قديمَة، فَزَالَتْ عني، كَمَا تَزُول النعم عَن النَّاس، حَتَّى أفضيت إِلَى بيع مسْقط رَأْسِي ورءوس آبَائِي، وأملقت حَتَّى لَا غَايَة، فأشير عَليّ بِقصد البرامكة.

فَخرجت من الشَّام إِلَى بَغْدَاد، وَمَعِي نَيف وَعِشْرُونَ امْرَأَة وصبيا وصبية، فَدخلت بهم مَدِينَة السَّلَام، فأنزلتهم فِي مَسْجِد.

ثمَّ عَمَدت إِلَى ثويبات كنت قد أعددتها للقاء النَّاس، والتذرع بهَا للبرامكة، فلبستها، وسلكت الطَّرِيق، لَا أَدْرِي أَيْن أقصد، وَكنت كَمَا قيل:

وَأصْبح لَا يدْرِي وَإِن كَانَ حازماأقدامه خير لَهُ أم وَرَاءه؟
للشاعر يحيى بن أكثم، اقرأ القصيدة

فَلَمَّا قَالَ ذَلِك؛ بَكَى الْمَأْمُون، فَقَالَ لَهُ مسرور: أقصر يَا رجل، فقد أَتعبت أَمِير الْمُؤمنِينَ بوصفك.

فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: دَعه يتحدث بِمَا يُرِيد.

قَالَ: نعم، وَتركت عيالي جياعا لَا نَفَقَة لَهُم، وَلَا مَعَهم مَا يُبَاع، فأفضيت إِلَى مَسْجِد مزخرف، فِيهِ جمع شُيُوخ، بِأَحْسَن زِيّ، وأجمل هَيْئَة، فطمعت فِي مخاطبتهم، فَصَعدت إِلَى الْمَسْجِد، فَجَلَست مَعَهم، لم أَزْد على السَّلَام، وَجعلت أردد فِي صَدْرِي كلَاما أخاطبهم بِهِ، فيحصرني التشور، ويخجلني ذل الْمَسْأَلَة، ويحبسني عَن الْكَلَام، وأتصبب عرقا؛ حَيَاء وخوفا من أَن يُقَال لي: من أَنْت، وَمَا تُرِيدُ؟ وَمَا يمكنني الْجَواب، وَلَا أَدْرِي مَا أخاطبهم بِهِ، إِذْ لم تكن لي عَادَة بالخوض فِي مثله.

فَأَنا كَذَلِك، إِذْ جَاءَ خَادِم فاستدعى الْقَوْم، فَقَامُوا، وَقمت مَعَهم، ومضينا، فأدخلوا دَارا ذَات دهليز طَوِيل، فَدخلت مَعَهم، وأفضينا إِلَى صحن وَاسع، وَإِذا شيخ بهي، فَإِذا هُوَ يحيى بن خَالِد، على دكة أبنوس فِي صحن الدَّار، فِي وسط الْبُسْتَان، وَله ميدان عِنْد بركَة، وَقد نصب عَلَيْهَا كراسي أبنوس.

وَأَقْبل الْقَوْم، فجلسوا، وَجَلَست مَعَهم، وَتَأمل الخدم الْقَوْم وعددهم، فَإِذا نَحن مائَة رجل وَرجل، فَدخل الخدم وغابوا، ثمَّ خرج مائَة خَادِم وخادم، فِي يَد كل وَاحِد مِنْهُم مجمرة من ذهب، فِيهَا قِطْعَة كالفهر من عنبر، والخدم بأفخر الثِّيَاب، عَلَيْهِم مناطق الذَّهَب المرصعة بالجوهر، وهم يطيفون بِغُلَام، حِين اخضر شَاربه، حسن الْوَجْه، فسجروا العنبر.

وَأَقْبل يحيى على الزريقي القَاضِي، وَقَالَ: زوج ابْن أخي هَذَا، بِابْنَتي عَائِشَة على صدَاق قدره مائَة ألف دِرْهَم.

فَخَطب، وَعقد النِّكَاح، وأخذنا النثار من فتات الْمسك، وبنادق العنبر،

وتماثيل الند الصغار، والتقط النَّاس، والتقطت.

ثمَّ جَاءَ مائَة خَادِم وخادم، فِي يَد كل وحد مِنْهُم صينية فضَّة فِيهَا ألف دِينَار، مخلوطة بالمسك، فَوضع بَين يَدي كل رجل منا صينية.

فَأَقْبَلت الْجَمَاعَة تكور الدَّنَانِير فِي أكمامها، وَتَأْخُذ الصواني تَحت آباطها، وتنصرف، الأول فَالْأول، حَتَّى بقيت وحدي، لَا أجسر على أَخذ الصينية وَمَا فِيهَا، والأسف وَالْحَاجة يمنعاني أَن أقوم وأدعها، وَأَنا مطرق مفكر.

حَتَّى ضَاقَ صَدْرِي، فَرفعت رَأْسِي، فغمزني بعض الخدم على أَخذهَا وَالْقِيَام، فأخذتها وَقمت، وَأَنا لَا أصدق، وَجعلت أَمْشِي وأتلفت، خوفًا من أَن يَتبعني من يَأْخُذهَا، وَيحيى يلاحظني من حَيْثُ لَا أعلم.

فَلَمَّا قاربت السّتْر؛ رددت، فأيست من الصينية، فَجئْت، وَهِي معي، حَتَّى قربت مِنْهُ، فَأمرنِي بِالْجُلُوسِ، فَجَلَست.

فَسَأَلَنِي عَن حَالي، وقصتي، وَمن أَنا، فصدقته، حَتَّى إِذا بلغت إِلَى تركي عيالي فِي الْمَسْجِد؛ بَكَى.

ثمَّ قَالَ: عَليّ بمُوسَى، فجَاء.

فَقَالَ: يَا بني، هَذَا رجل من أَبنَاء النعم، قد رمته الْأَيَّام بصروفها، والنوائب بحتوفها، فَخذه، واخلطه بِنَفْسِك، واصطنعه.

فأخذني مُوسَى إِلَى دَاره، فَخلع عَليّ من أَفْخَر ثِيَابه، وَأمر بِحِفْظ الصينية لي، وقضيت على ذَلِك يومي وليلتي.

ثمَّ استدعى أَخَاهُ الْعَبَّاس من الْغَد، وَقَالَ لَهُ: إِن الْوَزير سلم إِلَيّ هَذَا الْفَتى، وَأَمرَنِي فِيهِ بِكَذَا وَكَذَا، وَأُرِيد أَن أركب الْيَوْم إِلَى دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَلْيَكُن عنْدك الْيَوْم حَتَّى أرتجعه غَدا، فَكَانَ يومي عِنْده مثل أمسي.

وَأَقْبلُوا يتداولوني كل يَوْم، وَاحِدًا بعد وَاحِد، وَأَنا قلق بِأَمْر عيالي، إِلَّا أنني لَا أذكرهم إجلالا لَهُم.

فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الْعَاشِر؛ أدخلت إِلَى الْفضل بن يحيى، فأقمت فِي دَاره يومي وليلتي.

فَلَمَّا أَصبَحت؛ جَاءَنِي خَادِم من خدمه، فَقَالَ: يَا هَذَا، قُم إِلَى عِيَالك وصبيانك.

فَقلت: إِنَّا لله، لم أحصل لهَؤُلَاء الصّبيان على الْأكل وَالشرب، والصينية وَمَا فِيهَا، وَمَا حصلته من النثار ذهب، فليت هَذَا كَانَ من أول يَوْم، وَكَيف أتوصل الْآن إِلَى يحيى، وَأي طَرِيق لي إِلَيْهِ؟ وتلاعبت بِي الأفكار مَخَافَة الْيَأْس، وأظلمت الدُّنْيَا فِي عَيْني، وَقمت أجر رجْلي، وَالْخَادِم يمشي بَين يَدي، حَتَّى أخرجني من الدَّار، فازداد إياسي، وَمَا زَالَ يمشي بَين يَدي حَتَّى أدخلني إِلَى دَار كَأَن الشَّمْس تطلع من جوانبها، وفيهَا من صنوف الْفرش والأثاث والآلات، مَا يكون فِي مثلهَا.

فَلَمَّا توسطتها؛ رَأَيْت عيالي أَجْمَعِينَ فِيهَا، يرتعون فِي الديباج والشفوف، وَقد حمل إِلَيْهِم مائَة ألف دِرْهَم، وَعشرَة آلَاف دِينَار، والصينية والنثار، وَسلم إِلَيّ الْخَادِم صك ضيعتين جليلتين.

وَقَالَ: هَذِه الدَّار وَمَا فِيهَا والضياع بغلاتها، لَك.

فأقمت مَعَ البرامكة فِي أَخفض عَيْش، وَأجل حَال، حَتَّى نزلت بهم النَّازِلَة.

ثمَّ قصدني عَمْرو بن مسْعدَة فِي الضيعتين، فألزمني فِي خراجهما، مَا لَا يَفِي بِهِ دخلهما.

فلحقتني شدَّة عَظِيمَة، فَكلما لحقتني نائبة، واشتدت بِي بلية؛ قصدت دُورهمْ ومنازلهم، فبكيتهم، ورثيتهم، وشكرتهم، ودعوت لَهُم على مَا كَانَ مِنْهُم إِلَيّ، وشكوت مَا حل بِي بعدهمْ، فأجد لذَلِك رَاحَة.

قَالَ: فاستدعى الْمَأْمُون عَمْرو بن مسْعدَة، فَلَمَّا أُتِي بِهِ؛ قَالَ لَهُ: أتعرف هَذَا الرجل؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هُوَ بعض صنائع البرامكة.

فَأمره أَن يرد على الرجل، كلما استخرج مِنْهُ، وَأَن يُقرر خراجه على مَا كَانَ عَلَيْهِ أَيَّام البرامكة، وَأَن يَجْعَل لَهُ ضَيْعَة أُخْرَى من جملَة الإيغارات، يكون دَخلهَا لَهُ، ويتخذ بِهِ سجلا، وَأَن يقْضِي حَقه ويكرمه، فَبكى الشَّيْخ بكاء شَدِيدا.

فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: ألم اسْتَأْنف إِلَيْك جميلا، فَمَا بكاؤك؟ فَقَالَ: بلَى وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وزدت على كل فضل وإحسان، وَلَكِن هَذَا من بركَة الله، وبركة البرامكة عَليّ، وَبَقِيَّة إحسانهم إِلَيّ، فَلَو لم آتٍ خراباتهم، فأبكيهم وأندبهم، حَتَّى اتَّصل خبري بأمير الْمُؤمنِينَ، فَفعل بِي مَا فعل، من أَيْن كنت أصل إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: امْضِ مصاحبا، فَإِن الْوَفَاء مبارك، وَحسن الْعَهْد من الْإِيمَان.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.