تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

موت زِيَاد يفرج عَن ابْن أبي ليلى

وَذكر أَبُو الْحسن الْمَدَائِنِي، فِي كِتَابه: كتاب (الْفرج بعد الشدَّة والضيقة)، عَن مُحَمَّد بن الْحجَّاج، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر، قَالَ: كتب مُعَاوِيَة، إِلَى زِيَاد: إِنَّه قد تلجلج فِي صَدْرِي شَيْء من أَمر حُجْر بن عدي، فَابْعَثْ لي رجلا من أهل الْمصر، لَهُ فضل وَدين وَعلم، فَدَعَا عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، فَقَالَ لَهُ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ كتب إِلَيّ يَأْمُرنِي أَن أوجه إِلَيْهِ رجلا من أهل الْمصر، لَهُ دين وَفضل وَعلم؛ ليسأله عَن حجر بن عدي، فكنتَ عِنْدِي ذَلِك الرجل، فإياك أَن تقبح لَهُ رَأْيه فِي حجر، فأقتلك،

وَأمر لَهُ بألفي دِرْهَم، وكساه حلتين، وَحمله على راحلتين.

قَالَ عبد الرَّحْمَن: فسرت، وَمَا فِي الأَرْض خطْوَة، أَشد عَليّ، من خطْوَة تدنيني إِلَى مُعَاوِيَة.

فَقدمت بَابه، فاستأذنت، فَأذن لي، فَدخلت، فَسَأَلَنِي عَن سَفَرِي، وَمن خلفت من أهل الْمصر، وَعَن خبر الْعَامَّة والخاصة.

ثمَّ قَالَ لي: انْطلق فضع ثِيَاب سفرك, والبس الثِّيَاب الَّتِي لحضرك، وعد.

فَانْصَرَفت إِلَى منزلي، ثمَّ رجعت إِلَيْهِ، فَذكر حجرا، ثمَّ قَالَ: أما وَالله، لقد تلجلج فِي صَدْرِي مِنْهُ شَيْء، ووددت أَنِّي لم أكن قتلته.

قلت: وَأَنا، وَالله، يَا مُعَاوِيَة، وددت أَنَّك لم تقتله، فَبكى.

فَقلت: وَالله، لَوَدِدْت أَنَّك حَبسته.

فَقَالَ لي: وددت أَنِّي كنت فرقتهم فِي كور الشَّام، فتكفينيهم الطواعين.

قلت: وددت ذَلِك.

فَقَالَ لي: كم أَعْطَاك زِيَاد؟ قلت: أَلفَيْنِ، وكساني حلتين، وحملني على راحلتين.

قَالَ: فلك مثل مَا أَعْطَاك، اخْرُج إِلَى بلدك.

فَخرجت وَمَا فِي الأَرْض شَيْء عَليّ من أَمر يدنيني من زِيَاد؛ مَخَافَة مِنْهُ.

فَقلت: آتِي الْيمن، ثمَّ فَكرت، فَقلت: لَا أخْفى بهَا.

فأجمعت على أَن أُتِي لعض عَجَائِز الْحَيّ، فأتوارى عِنْدهَا، إِلَى أَن يَأْتِي الله بالفرج من عِنْده.

قَالَ: وقدمت الْكُوفَة، فَأمر بجهينة الظَّاهِرَة، حِين طلع الْفجْر، ومؤذنهم يُؤذن.

فَقلت: لَو صليت، فَنزلت، فصرت فِي الْمَسْجِد، حَتَّى أَقَامَ الْمُؤَذّن.

فَلَمَّا قضينا الصَّلَاة؛ إِذا رجل فِي مُؤخر الصَّفّ، يَقُول: هَل علمْتُم مَا حدث البارحة؟ قَالُوا: وَمَا حدث؟ قَالَ: مَاتَ الْأَمِير زِيَاد.

قَالَ: فَمَا سررت بِشَيْء، كسروري بذلك.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.