من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
كَيفَ خلع المقتدر الْخلْع الأول
قَالَ القَاضِي أَبُو عَليّ المحسن ابْن القَاضِي أبي الْقَاسِم عَليّ بن مُحَمَّد التنوخي، رَحمَه الله تَعَالَى: وَقد جرت على المقتدر بِاللَّه شدَّة أُخْرَى، وَفرج الله عَنهُ، فِي قصَّة تشبه قصَّة الْأمين، سَوَاء بِسَوَاء، لما أجمع جَمِيع القواد والحاشية، على أَن قتلوا الْعَبَّاس بن الْحسن الْوَزير، وخلعوا المقتدر من الْخلَافَة الْخلْع الأول، وَبَايَعُوا ابْن المعتز، وأحضروه من دَاره إِلَى دَار سُلَيْمَان بن وهب المرسومة، إِذْ ذَاك، بالوزراء، وَجلسَ يَأْخُذ الْبيعَة على الْقُضَاة والأشراف والكافة، وَيُدبر الْأُمُور، ووزيره مُحَمَّد بن دَاوُد بن الْجراح، يُكَاتب أهل الْأَطْرَاف والعمال والأكناف بِخَبَر تقلدهما، وَقد تلقب بـ: الْمُنْتَصر بِاللَّه، وخوطب بالخلافة، وَأمره فِي نِهَايَة الْقَوْم، وَهُوَ على أَن يسير إِلَى دَار الْخلَافَة، فيجلس بهَا، وَيقبض على المقتدر، إِلَّا أَنه أخر ذَلِك؛ لتتكامل الْبيعَة، وتنفذ الْكتب، ويسير من غَد.
وَكَانَ سوسن حَاجِب المقتدر، وَالْمُتوَلِّيّ لأمور دَاره، والغلمان المرسومين بحمايتها، مِمَّن وَافق ابْن المعتز، وَدخل مَعَ القواد فِيمَا دخلُوا فِيهِ، وَشرط
عَلَيْهِ أَن يُقَرّ على مَا إِلَيْهِ، وَيُزَاد شرطة بَغْدَاد.
فَلَمَّا جلس ابْن المعتز فِي الْيَوْم الأول؛ كَانَ الْمُتَوَلِي لإيصال النَّاس إِلَيْهِ، وَالْخَادِم بِحَضْرَتِهِ فِيمَا يخْدم فِيهِ الْحَاجِب، أحد الخدم غَيره.
فَبلغ ذَلِك سوسنا، فشق عَلَيْهِ، وتوهم أَن ذَلِك غدر بِهِ، وَرُجُوع عَمَّا شَرط، وووقف عَلَيْهِ، فَدَعَا الخدم، وغلمان الدَّار إِلَى نصْرَة المقتدر، فَأَجَابُوهُ فأغلق الْأَبْوَاب، وَأخذ أهبة الْحَرْب.
وَأصْبح ابْن المعتز، فِي الْيَوْم الثَّانِي من بيعَته، وَهُوَ يَوْم الْأَحَد لسبع بَقينَ من شهر ربيع الأول، سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ، عَامِدًا على الْمسير إِلَى الدَّار، فثبطه مُحَمَّد بن دَاوُد، وعرفه رُجُوع رَأْي سوسن، عَمَّا كَانَ وَافق عَلَيْهِ.
وصغّر القواد ذَلِك فِي نَفسه، فَلم يتشاغل بتلافيه، وأشاروا عَلَيْهِ بالركوب إِلَى دَار الْخلَافَة، وهم لَا يَشكونَ فِي تَمام الْأَمر، فَركب وهم مَعَه.
وانقلبت الْعَامَّة مَعَ المقتدر، ورموا ابْن المغتر بالستر، وحاربوه مَعَ شرذمة أنفذهم سوسن لحربه مِمَّن أطاعه على نصْرَة المقتدر.
وَلما شَاهد ابْن المعتز الصُّورَة؛ انهزم وهرب، وانحل ذَلِك الْأَمر الْعَظِيم كُله، وتفرق القواد، وَسَار بَعضهم خَارِجا عَن بَغْدَاد، وروسل باقيهم عَن المقتدر بالتلافي، فسكنوا، وعادوا إِلَى طَاعَته.
وَطلب ابْن المعتز فَوجدَ، وَجِيء بِهِ إِلَى دَار الْخلَافَة، فحبس فِيهَا، ثمَّ قتل، وَكَانَت مدَّته، مُنْذُ ظهر يَوْم السبت، إِلَى قريب من الظّهْر من يَوْم الْأَحَد.
وَعَاد الْأَمر مُسْتَقِيمًا للمقتدر بِاللَّه، وانفرجت لَهُ تِلْكَ الشدَّة، عَن ثبات الْملك لَهُ.
وَقد شرح هَذَا أَصْحَاب التواريخ، بِمَا لَا وَجه لإعادته هَهُنَا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع