من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
خرج يُرِيد خَالِدا الْقَسرِي فَأعْطَاهُ الحكم فأغناه
وَقد أَخْبرنِي عَليّ بن دبيس، عَن الْخُزَاعِيّ الْمَدَائِنِي، عَن أبي عمر الزَّاهِد، وَقد لقِيت أَبَا عمر، وحملت مِنْهُ شَيْئا من علومه ورواياته، وَأَجَازَ لي كل مَا صَحَّ مِنْهَا، فَدخل هَذَا فِي إِجَازَته.
وَحدثنَا أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد الْوراق، فِي كتاب (نسب قُرَيْش)، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن سُلَيْمَان الطوسي، قَالَ: حَدثنَا الزبير بن بكار، قَالَ: أَخْبرنِي عمي مُصعب، عَن نَوْفَل بن عمَارَة: أَن رجلا من قُرَيْش، من بني أُمِّي، لَهُ قدر وخطر، لحقه دين، وَكَانَ لَهُ مَال من نخل وَزرع، فخاف أَن يُبَاع عَلَيْهِ، فشخص من الْمَدِينَة يُرِيد الْكُوفَة، يقْصد خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي، وَكَانَ واليا لهشام عبد الْملك على الْعرَاق، وَكَانَ يبر من قدم عَلَيْهِ من قُرَيْش.
فَخرج الرجل يُريدهُ، وَأعد لَهُ من طرف الْمَدِينَة، حَتَّى قدم فيد، فَأصْبح بهَا.
فَرَأى فسطاطا، عِنْده جمَاعَة، فَسَأَلَ عَنهُ، فَقيل: للْحكم بن عبد الْمطلب؛
يَعْنِي: أَبَا عبد الله بن عبد الْمطلب بن حَنْظَلَة بن الْحَارِث بن عبيد بن عَمْرو بن مَخْزُوم، وَكَانَ يَلِي المشاعر، فَلبس نَعْلَيْه، وَخرج حَتَّى دخل عَلَيْهِ.
فَلَمَّا رَآهُ؛ قَامَ إِلَيْهِ فَتَلقاهُ، وَسلم عَلَيْهِ وَأَجْلسهُ فِي صدر فرَاشه، ثمَّ سَأَلَهُ عَن مخرجه، فَأخْبرهُ بِدِينِهِ، وَمَا أَرَادَ من إتْيَان خَالِد بن عبد الله.
فَقَالَ الحكم: انْطلق بِنَا إِلَى مَنْزِلك، فَلَو علمت بمقدمك لسبقتك إِلَى إتيانك، فَمضى مَعَه، حَتَّى أَتَى منزله، فَرَأى الْهَدَايَا الَّتِي أعدهَا لخَالِد، فَتحدث سَاعَة مَعَه.
ثمَّ قَالَ: إِن منزلنا أحضر عدَّة، وَأَنْتُم مسافرون، وَنحن مقيمون، فأقسمت عَلَيْك إِلَّا قُمْت معي إِلَى الْمنزل، وَجعلت لنا من هَذِه الْهَدَايَا نَصِيبا.
فَقَامَ الرجل مَعَه، وَقَالَ: خُذ مِنْهَا مَا أَحْبَبْت، فَأمر بهَا، فَحملت كلهَا إِلَى منزله، وَجعل الرجل يستحي أَن يمنعهُ شَيْئا، حَتَّى صَار إِلَى الْمنزل.
فَدَعَا بالغداء، وَأمر بالهدايا، ففتحت، فَأكل مِنْهَا، وَمن حَضَره، ثمَّ أَمر ببقيتها فَرفعت إِلَى خزانته، وَقَامَ النَّاس.
ثمَّ أقبل على الرجل، وَقَالَ لَهُ: أَنا أولى بك من خَالِد، وَأقرب مِنْهُ رحما ومنزلا، وَهَهُنَا مَال للغارمين، أَنْت أولى النَّاس بِهِ، وَأقرب، وَلَيْسَ لأحد عَلَيْك فِيهِ منَّة، إِلَّا الله، تَعَالَى، تقضي بِهِ دينك، ثمَّ دَعَا لَهُ بكيس فِيهِ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار، فَدفعت إِلَيْهِ.
ثمَّ قَالَ: قد قرب الله، جلت عَظمته، عَلَيْك الخطوة، فَانْصَرف إِلَى أهلك مصاحبا، مَحْفُوظًا.
فَقَامَ الرجل من عِنْده، يَدْعُو لَهُ ويشكره، وَلم يكن لَهُ همة إِلَّا الرُّجُوع إِلَى أَهله، وَانْطَلق الحكم يشيعه.
ثمَّ قَالَ: كَأَنِّي بزوجتك، قد قَالَت: أَيْن طرائف الْعرَاق، خزها، وبزها، وعروضها؟ أما كَانَ لنا مِنْهَا نصيب؟ ثمَّ أخرج صرة قد كَانَ حملهَا مَعَه، فِيهَا خمس مائَة دِينَار، فَقَالَ لَهُ: أَقْسَمت عَلَيْك، إِلَّا جعلت هَذِه عوضا عَن هَدَايَا الْعرَاق، وَانْصَرف.
وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي، هَذَا الْخَبَر، فِي كِتَابه: (كتاب الْفرج بعد الشدَّة)، بِغَيْر إِسْنَاد، على قريب من هَذِه الْعبارَة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع