من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
من يفعل الْخَيْر لَا يعْدم جوازيه
وَذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس، فِي كتاب (الوزراء)، هَذَا الْخَبَر بِخِلَاف هَذَا، فَقَالَ: حكى يحيى بن خاقَان، قَالَ: كنت يَوْمًا عِنْد يحيى بن خَالِد، وبحضرته ابْنه الْفضل، إِذْ دخل عَلَيْهِ أَحْمد بن يزِيد، الْمَعْرُوف بـ: ابْن أبي خَالِد، فَسلم وَخرج.
فَقَالَ يحيى للفضل: فِي أَمر هَذَا الرجل خبر، فَإِذا فَرغْنَا من شغلنا فأذكرني بِهِ حَتَّى أعرفك، فَلَمَّا فرغ من عمله؛ أذكرهُ.
فَقَالَ: نعم، كَانَت العطلة، قد بلغت مني وَمن أبي، وتوالت المحن علينا، حَتَّى لم نهتد إِلَى مَا ننفقه.
فَلبِست ثِيَابِي يَوْمًا؛ لأركب، فَقَالَ لي أَهلِي: إِن هَؤُلَاءِ الصّبيان باتوا البارحة بأسوإ حَال، وَأَنا مَا زلت أعللهم بِمَا لَا علالة فِيهِ، وأصبحت وَمَا لَهُم شَيْء، وَمَا لدابتك علف.
فقرعت قلبِي، وقطعتني عَن الْحَرَكَة، ورميت بفكري، فَلم يَقع إِلَّا على منديل طبري، كَانَ بعض البزازين أهداه إِلَيّ.
فَقلت: مَا فعل المنديل الطَّبَرِيّ؟ فَقَالَت: ههو.
فَأَخْرَجته إِلَى الْغُلَام، وَقلت لَهُ: اخْرُج إِلَى الشَّارِع، فبع هَذَا المنديل،
فَمضى، وَعَاد من سَاعَته، فَقَالَ: خرجت إِلَى الْبَقَّال الَّذِي يعاملنا، وَعِنْده رجل، فَأَعْطَانِي بالمنديل اثْنَي عشر درهما صحاحا، وَقد بِعته بِشَرْط، فَإِن أمضيت البيع، وَإِلَّا أخرجت المنديل إِلَى سوق قنطرة البردان، واستقصيت فِيهِ، كَمَا تحب.
فَأَمَرته بإمضاء البيع للْحَال الَّتِي خبرتني بهَا الْمَرْأَة، وَأَن يَشْتَرِي مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الصّبيان، وعلفا للدابة، وَركبت، لَا أَدْرِي إِلَى أَيْن أقصد.
فَأَنا فِي الشَّارِع، وَإِذا أَنا بِأبي خَالِد، وَالِد هَذَا، وَمَعَهُ موكب عَظِيم ضخم، وَهُوَ يَوْمئِذٍ يكْتب لأبي عبيد الله، كَاتب الْمهْدي، فملت إِلَيْهِ، ورميت نَفسِي عَلَيْهِ.
وَقلت لَهُ: قد تناهت العطلة بأخيك وَبِي، إِلَى مَا لَا نِهَايَة وَرَاءه، وَعلي، وَعلي، إِن لم تكن قصتي فِي يومي هَذَا، كَيْت وَكَيْت، وقصصت عَلَيْهِ الْخَبَر، وَهُوَ مستمع لذَلِك، مَاض فِي سيره، فَلَمَّا بلغ مقْصده؛ انصرفت عَنهُ، وَلم يقل لي حرفا.
فَانْصَرَفت منكسف البال، مُنْكرا على نَفسِي إسرافي فِي الشكوى، وإطلاعي إِيَّاه على مَا أطلعته عَلَيْهِ.
وَقلت: مَا زِدْت على أَن فضحت نَفسِي، وقللتها فِي عينه من غير نفع.
ووافيت منزلي على حَال أنكرتها أَهلِي، فسألتني.
فَقلت: جنيت الْيَوْم على نَفسِي جِنَايَة كنت عَنْهَا غَنِيا، وقصصت عَلَيْهَا قصتي مَعَ يزِيد.
فَأَقْبَلت توبخني، وَقَالَت: مَا حملك على أَن أظهرت للرجل حالك؟ فَإِن أقل مَا فِي ذَلِك، أَن لَا يأتمنك على أَمر، فَإِن من تناهت بِهِ الْحَال إِلَى مَا ذكرت، كَانَ غير مؤتمن، فنالني من توبيخها أَضْعَاف مَا نالني أَولا.
وأصبحنا فِي الْيَوْم الثَّانِي، فوجهت بِأحد ثوبيّ فَبيع، وتبلغنا بِثمنِهِ يَوْمنَا.
وأصبحنا فِي الْيَوْم الثَّالِث، وَنحن فِي غَايَة الضيقة، فطوينا يَوْمنَا وليلتنا.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الرَّابِع؛ ضَاقَتْ نَفسِي، وَقل صبري، وضعفت قوتي، واخترت الْمَوْت على الْحَالة الَّتِي أَنا فِيهَا.
فَقَالَت لي أَهلِي: أَنا خائفة عَلَيْك من الوسواس، فَيكون مَا نحتاج لعلاجك أَضْعَاف مَا نحتاج لمئونتنا، فسهّل الْأَمر عَلَيْك، وَلَا تضجر، وَلَا تقنط من رَحْمَة الله، فَإِن الله، ﷿، الصَّانِع، الْمُدبر، الْحَكِيم.
قَالَ: فركبت، لَا أَدْرِي أَيْن أقصد، فَلَمَّا صرت إِلَى قنطرة البردان؛ لَقِيَنِي رَسُول أبي خَالِد يطلبني دَاره.
فَقَالَ لي حَاجِبه: اجْلِسْ، فأقمت، وَخرج مَعَ الزَّوَال، فدنوت مِنْهُ.
فَقَالَ: يَابْنَ أخي، شَكَوْت إِلَيّ بالْأَمْس شكوى، لم يكن فِي جوابها إِلَّا الْفِعْل، وَأمر بإحضار حميد وداهر؛ تاجرين كَانَا يبيعان الطَّعَام.
فَقَالَ لَهما: قد علمتما أَنِّي إِنَّمَا بعتكما البارحة ثَلَاثِينَ ألف كرّ، على أَن ابْن أخي هَذَا شريككما فِيهَا بالسعر.
ثمَّ قَالَ: لَك فِي هَذِه عشرَة آلَاف كرّ بالسعر، فَإِن دفعا إِلَيْك ثَلَاثِينَ ألف دِينَار ربحك، وآثرت أَن تخرج إِلَيْهِمَا من حصتك؛ فعلت، وَإِن آثرت أَن تقيم على ابتياعك؛ فعلت.
قَالَ: فتنحينا نَاحيَة، وَقَالا: إِنَّك رجل شرِيف، وَابْن شرِيف، وَلَيْسَت التِّجَارَة من شَأْنك، وَمَتى أَقمت على الابتياع؛ احتجت إِلَى كفاة وَأَعْوَان، وَلَكِن خُذ منا ثَلَاثِينَ ألف دِينَار، وخلنا وَالطَّعَام.
فَقلت: قد فعلت، وَقمت إِلَى أبي خَالِد، فَقلت: قد أجبتهما إِلَى أَخذ المَال، وتركهما وَالطَّعَام.
فَقَالَ: هَذَا أروح لَك، فَخذ المَال، وتبلغ بِهِ، وألزمنا، فَإنَّا لَا نقصر فِي أَمرك بِكُل مَا يمكننا.
فَأخذت من الرجلَيْن ثَلَاثِينَ ألف دِينَار، وَمَا كَانَ بَين ذَلِك، وَبَين بيع المنديل وَالثَّوْب، إِلَّا أَرْبَعَة أَيَّام.
فسرت إِلَى أبي، وخبرته الْخَبَر، وَقلت لَهُ: جعلت فدَاك تَأمر فِي المَال بِأَمْرك؟ فَقَالَ: نعم، أحكم عَلَيْك فِيهِ، بِمثل مَا حكم أَبُو خَالِد بِهِ على التاجرين؛ أَي: أَن الثُّلُث لي.
فَحملت إِلَيْهِ عشرَة آلَاف دِينَار، واشتريت بِعشْرَة آلَاف دِينَار ضَيْعَة، وَلم أزل أنْفق الْبَاقِي، إِلَى أَن أداني ذَلِك إِلَى هَذِه الْحَال، وَإِنَّمَا حدثتك بِهَذَا؛ لتعرف، يَا بني، للرجل حَقه.
فَقلت ليحيى بن خاقَان: فَمَا الَّذِي كَانَ من يحيى بن خَالِد إِلَى أَحْمد بن أبي خَالِد؟ قَالَ: مَا زَالَ هُوَ وَولده على نِهَايَة الْبر بِهِ، حَتَّى نَالَ مَا نَالَ من الوزارة، بذلك الأساس الَّذِي أسساه.
وَقُرِئَ على أبي بكر الصولي، بِالْبَصْرَةِ، سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة بِإِسْنَاد، وَأَنا حَاضر، فِي كِتَابه: كتاب (الوزراء)، حَدثكُمْ عون بن مُحَمَّد الْكِنْدِيّ، عَن إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن سهل، قَالَ: سَمِعت أَهلِي يتحدثون: أَن يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي، قَالَ: نالتني خلة فِي أَيَّام الْمهْدي، فَجئْت إِلَى يزِيد الْأَحول أبي خَالِد، وَكَانَ يكْتب لأبي عبيد الله، فأبثثته حَالي، فَمَا أجابني، وَلَا أقبل عَليّ، فتأخرت نَادِما، ثمَّ جَاءَنِي رَسُوله من
الْغَد، فصرت إِلَيْهِ.
فَقَالَ لي: إِنَّك شَكَوْت إِلَيّ شكوى لم يكن جوابها الْكَلَام والتوجع، وَقد بِعْت جمَاعَة من التُّجَّار ثَلَاثِينَ ألف كرّ، من غلات السوَاد، واشترطت لَك ربع الرِّبْح، فَخذ كتابي هَذَا إِلَيْهِم، فَإِن أَحْبَبْت أَن تصبر إِلَى أَن تبَاع الْغلَّة؛ توفر ربحك، وَإِن ناظرت التُّجَّار، وَخرجت من حصتك بِرِبْح عَاجل؛ فَأَقل مَا يبذلونه لَك ثَلَاثُونَ ألف دِينَار، فدعوت لَهُ.
وَلَقِيت الْقَوْم، فَقَالُوا: أَنْت رجل سُلْطَان، وَلَا يتهيأ لَك مَا نَفْعل نَحن من الصَّبْر على الْغلَّة، وانتظار الأسعار، فَهَل لَك أَن تخرج مِنْهَا برح ثَلَاثِينَ ألف دِينَار مُعجلَة؟ فَقلت: نعم، فقبضتها فِي يَوْم وَاحِد، وانصرفت.
وَذكر أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، قَالَ: حدث مُحَمَّد بن أَحْمد بن الخصيب، قَالَ: حَدثنِي من سمع أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول يحدث، قَالَ: كَانَ السُّلْطَان قد جَفا خَالِد بن برمك، واطرحه، حَتَّى نالته إضاقة شَدِيدَة، وَكَاد أَن ينْكَشف.
فَحدثت أَن يحيى بن خَالِد أصبح يَوْمًا، فَخرجت إِلَيْهِ امْرَأَته؛ أم الْفضل، ابْنه، فَقَالَت لَهُ: مَا أصبح الْيَوْم فِي مَنْزِلك دَقِيق، وَلَا علف للدابة، وَلَا نَفَقَة لشَيْء.
فَقَالَ لَهَا: بيعوا شَيْئا من الْبَيْت.
قَالَت مَا بَقِي فِي الْبَيْت مَا لَهُ قدر، وَلَا مَا يُمكن بَيْعه.
فَقَالَ: قد كَانَ فلَان أهْدى إِلَيْنَا منديلا فِيهِ ثِيَاب، فبعنا الثِّيَاب، فَمَا فعل المنديل؟ قَالَت: باقٍ.
قَالَ: فبيعوه.
فَبعثت بِهِ إِلَى سوق قنطرة البردان، فَبيع بنيف وَعشْرين درهما، فأنفقوها أَيَّامًا.
ثمَّ خرجت إِلَيْهِ، فَقَالَت: مَا قعودك؟ مَا عندنَا نَفَقَة، وَلَا دَقِيق، وَلَا علف للدابة.
فَركب يحيى، فَكَانَ أول من لقِيه أَبُو خَالِد الْأَحول، فَشَكا إِلَيْهِ مَا هُوَ فِيهِ، فَأمْسك، ثمَّ أَجَابَهُ بِجَوَاب ضَعِيف.
وَانْصَرف يحيى إِلَى منزله، وَقد كَاد يتْلف غما وندما، وَلَام زَوجته، وَأقَام أَيَّامًا لَا يركب، وَزَوجته تحتال فِيمَا تنْفق.
ثمَّ حركته على الرّكُوب، وَشَكتْ إِلَيْهِ انْقِطَاع الْحِيلَة، وَتعذر الْقُوت، فَركب، فَلَمَّا صَار فِي بعض الطَّرِيق؛ لقِيه أَبُو خَالِد.
فَقَالَ لَهُ: صرت إِلَيّ، وَسَأَلتنِي أمرا، حَتَّى إِذا أحكمته لَك؛ تركت تنجزه.
فَقَالَ: كرهت التثقيل عَلَيْك.
فَقَالَ: إِنَّك شَكَوْت إِلَيّ أَمرك، فغمني، وذكرته لأبي عبيد الله، فَتقدم إِلَيّ فِيهِ بِأَمْر، ثمَّ لم تصر إِلَيّ، فتعال معي الْآن إِلَى الدِّيوَان.
قَالَ يحيى: فمضيت مَعَه إِلَى الدِّيوَان، فأحضر التُّجَّار المبتاعين لغلات الأهواز، فَقَالَ لَهُم: هَذَا الرجل الَّذِي جعل لَهُ الْوَزير سَهْما مَعكُمْ فِيمَا ابتعتموه فحاسبوه على مَا بَيْنكُم وَبَينه.
قَالَ يحيى: فَأخذ التُّجَّار بيَدي إِلَى نَاحيَة، فواقفوني على ربح خمسين ألف دِينَار، وَأَن أدعهم وَالْغلَّة، فَمَا بَرحت، حَتَّى راج لي المَال، وَحَمَلته إِلَى منزلي.
وعرّفت أبي الْحَال، فَأخذ من المَال عشْرين ألفا، وَقَالَ: هَذِه تكفيني
لنفقتي، إِلَى أَن يفرج الله، تَعَالَى، عني، وَالْبَاقِي لَك، فَإِن عِيَالك كثير.
قَالَ أَحْمد بن أبي خَالِد: فرعى لي الْقَوْم ذَلِك؛ يَعْنِي: البرامكة، فَلَمَّا صَار الْأَمر إِلَيْهِم؛ أشركوني فِي نعمتهم، وَكَانَ آخر مَا وليت لَهُم جند الْأُرْدُن.
وانصرفت إِلَى مَدِينَة السَّلَام، وَقد سخط الرشيد على يحيى، وَمَعِي من المَال سِتَّة آلَاف دِينَار، فتوصلت إِلَى أَن دخلت إِلَيْهِ فِي الْحَبْس، فتوجعت لَهُ، وَعرضت عَلَيْهِ المَال.
فَقَالَ: لست أجحف بك، احْمِلْ إِلَيْنَا مِنْهُ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار، وَكتب رقْعَة، بِخَط لَا أعرفهُ، ثمَّ أتربها، ثمَّ قطعهَا نِصْفَيْنِ، فَجعل أَحدهمَا تَحت مُصَلَّاهُ، وَدفع إِلَيّ الآخر.
وَقَالَ: أمرنَا قد ولّى، ودولتنا قد انْقَضتْ، وَهَذَا الْخَلِيفَة سيموت، وستقع فتْنَة يطول فِيهَا الْأَمر بَين خليفتين، يكون الظَّاهِر مِنْهُمَا صَاحب الْمشرق، وسيكون لغلام، يُقَال لَهُ: الْفضل بن سهل، مَعَه حَال، فَإِذا بلغك ذَلِك؛ فادفع إِلَيْهِ هَذَا النّصْف من الرقعة، فَإنَّك ستبلغ بهَا مَا تحب عِنْده.
قَالَ أَحْمد بن أبي خَالِد: فَخرجت من عِنْده، وَأَنا أندم النَّاس على إخراجي من يَدي ثَلَاثَة آلَاف دِينَار، إِلَى رجل قد نعى نَفسه إِلَيّ، فاحتفظت بِنصْف الرقعة.
وَمَضَت الْأَيَّام، وَولي مُحَمَّد المخلوع، وَوَقعت الْفِتَن، ولزمتني عطلة، ودامت، حَتَّى رقت حَالي، وَاشْتَدَّ اختلالي.
وَدخل طَاهِر مَدِينَة السَّلَام، فَإِنِّي ذَات يَوْم متفكر فِي أَمْرِي، متحير فِيمَا أعمله، سَمِعت قرع الْبَاب عَليّ.
فَقلت لزوجتي: اخْرُجِي إِلَى الدهليز، وأعرفي الْخَبَر، وَلَا تتكلمي، وَلَا تفتحي، فمضت، وَجَاءَت مَذْعُورَة.
وَقَالَت: مَا أَدْرِي، على الْبَاب جمَاعَة من الشَّرْط والمسودة ونفاطات.
فَخرجت، ووقفت خلف الْبَاب، وَقلت: من هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا منزل أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول؟ فَقلت: نعم.
فَقَالُوا: نَحن رسل الْأَمِير طَاهِر بن الْحُسَيْن إِلَيْهِ.
فَقلت: لَعَلَّكُمْ غلطتم، مَا يُرِيد الْأَمِير من مثله؟ فَقَالَ بَعضهم: يَا هَذَا، إِنَّا جِئْنَا فِي أَمر يسره، فَأعلمهُ إِيَّاه، وَأَنه لَا بَأْس عَلَيْهِ.
قَالَ: وظنني غُلَاما فِي الدَّار، فسكنت إِلَى هَذَا القَوْل، وَرجعت إِلَى مجلسي من الدَّار، وأنفذت جَارِيَة سَوْدَاء كَانَت لي، حَتَّى تفتح الْبَاب.
فَدخل قَائِد جليل، وبرك بَين يَدي، وَقَالَ: أَنْت، أعزّك الله، تَعَالَى، أَحْمد بن أبي خَالِد؟ قلت: نعم.
قَالَ: الْأَمِير يَسْأَلك أَن تصير إِلَيْهِ السَّاعَة.
قَالَ: فَأَرَدْت أَن أسبر الْأَمر الَّذِي دعيت إِلَيْهِ، أخير هُوَ، أم شَرّ؟ فَقلت: أَدخل، وألبس ثِيَابِي؟ قَالَ: افْعَل.
قَالَ: فَدخلت، وأوصيت زَوْجَتي فِيمَا أحتاج إِلَيْهِ، وَعلمت أَنه لَا بَأْس عَليّ، ولبست مبطنتي وطيلساني وشاشيتي وخفي، ثمَّ خرجت.
فَقلت: لَيْسَ لي مركوب.
قَالَ: فاركب من جنائبي، فركبت دَابَّة قدمهَا إِلَيّ، وصرت إِلَى طَاهِر، فَسلمت عَلَيْهِ، فساعة رَآنِي، قَالَ: أَنْت أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول؟ قلت: نعم.
فَألْقى إِلَيّ كتابا فِي نصف قرطاس، بِخَط الْفضل بن سهل، وَكَانَ أول كتاب رَأَيْته؛ لأبي فلَان، من فلَان، فَإِذا عنوانه: لأبي الطّيب أعزه الله، تَعَالَى، من ذِي الرياستين؛ الْفضل بن سهل، وصدره: أعزّك الله، وَأطَال بَقَاءَك، أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، بِأَن تتقدم سَاعَة وُصُول كتابي هَذَا، بِطَلَب أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول الْكَاتِب، حَيْثُمَا كَانَ من أقطار الأَرْض، فتحضره مجلسك، وتصله بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم، وتحمله على عشْرين دَابَّة من دَوَاب الْبَرِيد، إِلَى بَاب أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، مصونا، وَلَا ترخص لَهُ فِي التَّأَخُّر، فرأيك، أعزّك الله، فِي الْعَمَل بذلك، موفقا، إِن شَاءَ الله، تَعَالَى، وكتبت فِي يَوْم كَذَا من شهر كَذَا.
قَالَ: فَلَمَّا قَرَأت الْكتاب؛ اشْتَدَّ سروري، وَقلت: آخذ فِيمَا أحتاج إِلَيْهِ، وأنهض.
فَقَالَ: مَا إِلَى تأخرك سَبِيل، هَذَا المَال، وَهَذِه الدَّوَابّ، وَتخرج السَّاعَة.
فَقلت: أكتب إِلَى منزلي بِمَا أحتاج إِلَيْهِ، وَأخذت المَال، وحملت أَكْثَره إِلَيْهِم، وكاتبتهم بِمَا أحتاج إِلَيْهِ.
وَذكرت الرقعة الَّتِي من يحيى بن خَالِد، فَأَمَرتهمْ بإنفاذها إِلَيّ، وَطلبت قماشا قَلِيلا مِمَّا لَا بُد مِنْهُ.
فَعَاد الْجَواب بوصول المَال، وأنفذوا النّصْف من الرقعة، وَمَا طلبت من القماش، وشخصت من دَار طَاهِر، سَحَرَ تِلْكَ اللَّيْلَة.
فَمَا مَرَرْت بِمَدِينَة إِلَّا خدمت فِيهَا أتم خدمَة، إِلَى أَن وافيت الرّيّ، فلقيني رجل ذكر لي أَن ذَا الرياستين أنفذه لتلقي، وَالْقِيَام بمصالحي إِلَى أَن أوافي حَضرته، فَلم يزل قَائِما بِمَا أحتاج إِلَيْهِ، ويحض كل من أجتاز بِهِ على تفقدي وخدمتي إِلَى أَن وافيت بَاب الْفضل بمرو، وَمَعِي صَاحبه، وَصَاحب طَاهِر.
فوقفت بِبَاب الْفضل طَويلا إِلَى أَن تفرغ وَدَعَانِي، فَدخلت، وَهُوَ فِي قبَّة أَدَم، وَعَلِيهِ سَواد، وَحَوله السِّلَاح كُله، وَبَين يَدَيْهِ جحفة فِيهَا كتب.
فَلَمَّا مثلت بَين يَدَيْهِ؛ قَالَ لي: أَنْت أَحْمد بن أبي خَالِد الْكَاتِب؟ فَقلت: نعم.
قَالَ: انْصَرف إِلَى مَنْزِلك، وارجع إِلَيْنَا بعد ثَلَاثَة أَيَّام فِي سَواد؛ لأدخلك على أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فوليت من بَين يَدَيْهِ، وَأَنا لَا أَدْرِي إِلَى أَيْن أمضي، وَإِذا خَادِم قد لَحِقَنِي، وَأخذ بيَدي، وَخرج معي، حَتَّى سَار إِلَى دَار قد أعدت لي، وفيهَا كل مَا أحتاج إِلَيْهِ من فرش، وَآلَة، وَكِسْوَة، وغلمان، ودواب، وقماش، وَغير ذَلِك من الْأَطْعِمَة والأشربة، فَجعل يعرفنِي مَا تَحت يَد كل غُلَام، ثمَّ قَالَ: هَذَا كُله لَك، وَانْصَرف، فأقمت فِي كل نعْمَة وسرور، ثَلَاثَة أَيَّام.
ثمَّ غَدَوْت فِي الْيَوْم الرَّابِع فِي سَواد، فألفيت ذَا الرياستين خَارِجا من دَاره، فترجلت ودنوت، فَأَعْطَانِي طرف كمه فقبلته، ثمَّ أَمرنِي بالركوب، فركبت، وسرت فِي موكبه، حَتَّى وافى دَار الْمَأْمُون، فَثنى رجله، وَنزل فِي محفة معدة لَهُ، فَجَلَسَ فِيهَا، وَحمله القواد على أَعْنَاقهم، حَتَّى أجلسوه مَعَ
الْمَأْمُون على السرير، فَمَكثت غير بعيد.
فجَاء خَادِم فدعاني، فَدخلت، وَالْفضل والمأمون على السرير، وكل وَاحِد مِنْهُمَا مقبل على صَاحبه.
فَقَالَ الْفضل: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هَذَا أَحْمد بن أبي خَالِد، كَانَت كتبه ترد علينا من مَدِينَة السَّلَام بأخبار المخلوع، فِي وَقت كَذَا، وَفِي وَقت كَذَا، وَقد وَفد على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ من الْيَسَار، وَحسن الْحَال، على أَمر يقصر عَنهُ الْوَصْف، وَهُوَ يعرض نَفسه وَمَاله على أَمِير الْمُؤمنِينَ، يُرِيد أَنه مَتى خلا بِي، فَسَأَلَنِي عَن شَيْء؛ كنت قد عَرفته.
قَالَ أَحْمد: فشيعت كَلَامه بِمَا حضرني.
فَقَالَ الْمَأْمُون: بل؛ قد وفر الله، تَعَالَى، عَلَيْهِ مَاله، ونضيف إِلَيْهِ أَمْثَاله.
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ويشرك بَينه وَبَين خدم أَمِير الْمُؤمنِينَ، فِي تقلد الْأَعْمَال.
قَالَ: نعم.
قَالَ: ويولى ديوَان التوقيع، وديوان الفض والخاتم.
قَالَ: افْعَل.
قَالَ: ويخلع عَلَيْهِ خلعة هَذِه الْأَعْمَال.
قَالَ: نعم.
قَالَ: وصلَة يعرف بهَا موقعه من أَمِير الْمُؤمنِينَ.
قَالَ: نعم.
قَالَ أَحْمد: فَمَا بَرحت، حَتَّى أنْجز لي كل ذَلِك، وانصرفت.
فَلَمَّا كَانَ بعد عشْرين يَوْمًا بعث إِلَيّ فِي اللَّيْل، فَعلمت أَنه لم يحضرني فِي هَذَا الْوَقْت، إِلَّا ليسألني عَن الرقعة، فجعلتها فِي خَفِي، وصرت إِلَيْهِ، وَإِذا هُوَ جَالس، وَالْحسن أَخُوهُ إِلَى جَانِبه.
فَقَالَ لي: يَا أَبَا الْعَبَّاس، كَانَت بَيْنك وَبَين شَيخنَا أبي عَليّ، ﵁، حُرْمَة؟ قلت: نعم، وَأي حُرْمَة.
فَقَالَ: مَا هِيَ؟ فقصصت عَلَيْهِ كَيفَ كَانَت قصَّة أبي مَعَه، ثمَّ وصلت ذَلِك بخبري، إِلَى أَن أنتهيت إِلَى حَدِيث الدَّنَانِير وَنصف الرقعة.
فَقَالَ: أَيْن هِيَ؟ فأخرجتها من خَفِي، فدفعتها إِلَيْهِ، فَرفع مُصَلَّاهُ، فَإِذا النّصْف الَّذِي كَانَ يحيى بن خَالِد، ﵀، جعله تَحت مُصَلَّاهُ، فقرن بَينهمَا، والتفت إِلَى أَخِيه، وَقد دَمَعَتْ عَيناهُ.
فَقَالَ: هَذَا خطّ أبي عَليّ، ﵁: ثمَّ قَالَ: أَقرَأت مَا فِيهَا؟ قلت: لَا.
قَالَ: فِيهَا: أمتعني الله بك، يَا بني، طَويلا، وَأحسن الْخلَافَة عَلَيْك، قد وَجب عَليّ من حق أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول الْكَاتِب، فِي الْحَال الَّتِي أَنا عَلَيْهَا، مَا قد أثقلني، وأعجزني عَن مكافأته، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا أَعْتَد بِهِ لسلفه، ونجمنا قد أفل، وأمرنا قد انْقَضى، ودولتك قد حضرت، وَجدك قد علا، فَأحب أَن تقضي عني حق هَذَا الْفَتى، إِن شَاءَ الله، تَعَالَى.
قَالَ أَحْمد بن أبي خَالِد: فَلم أزل مَعَ الْفضل، تترقى حَالي، وأختص بِخِدْمَة الْمَأْمُون، إِلَى أَن دارت الْأَيَّام، واستكتبني الْمَأْمُون، وزادت النِّعْمَة ونمت، وَالْحَمْد لله على ذَلِك.
وَذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كِتَابه: كتاب (الوزراء) فِي أَخْبَار أَحْمد بن أبي خَالِد، قَالَ: كَانَ سَبَب اتِّصَاله بالمأمون: أَن الرشيد لما سخط على البرامكة، واتصل خبرهم، وَمَا هم فِيهِ من الضّيق، بِأَحْمَد بن أبي خَالِد؛ شخص نَحْو الرقة، فوافاها وَقد أَمر الرشيد بِمَنْع حاشيتهم من الدُّخُول إِلَيْهِم.
فَلم يزل يحتال حَتَّى وصل إِلَى يحيى، فانتسب لَهُ، وعرفه أَنه قَصده لخدمته.
فَرَحَّبَ بِهِ يحيى، وأعلمه أَنه كَانَ يحب أَن يَقْصِدهُ فِي وَقت إِمْكَان الْأُمُور، ليبلغ من مكافأته وَتَحْقِيق ظَنّه حسب رغبته.
فشكره أَحْمد، وَسَأَلَهُ قبُول شَيْء حمله مَعَه، وَإِن كَانَ يَسِيرا، وضرع إِلَيْهِ.
فَدفعهُ يحيى عَنهُ، وَقَالَ: نَحن فِي كِفَايَة.
فألح أَحْمد عَلَيْهِ، وأعلمه أَنه لَا يَثِق بِقبُول انْقِطَاعه إِلَيْهِ إِلَّا بإجابته إِلَى مَا سَأَلَ.
فَسَأَلَهُ يحيى عَن مِقْدَار ذَلِك، فَقَالَ: عشرَة آلَاف دِرْهَم.
فَقَالَ: ادفعها إِلَى السجان.
وَقَالَ لِأَحْمَد: إِن حَالنَا حَال لَا نرجو مَعهَا بُلُوغ مكافأتك، وَلَكِنِّي سأكتب لَك كتابا إِلَى رجل سيقوم بِأَمْر الْخَلِيفَة الَّذِي يملك خُرَاسَان، فأوصل إِلَيْهِ كتابي، فسيقوم بِقَضَاء حَقك.
ثمَّ كتب لَهُ فِي قريطيس كتابا، وطواه، وَوضع عَلَيْهِ خَاتمه، فَانْصَرف أَحْمد إِلَى منزله.
فَلَمَّا قلد الْفضل بن سهل أَمر الْمَأْمُون؛ قَصده أَحْمد بن أبي خَالِد، فوصل إِلَيْهِ فِي دَار الْمَأْمُون.
فَلَمَّا فرغ من أَعماله؛ أوصل إِلَيْهِ الْكتاب، فَأنْكر وَجهه، وَسَأَلَهُ عَن صَاحب الْكتاب، فَقَالَ: يقرأه الْأَمِير، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، فَإِنَّهُ سيعرفه.
فَلَمَّا فضه، وَنظر إِلَى الْخط؛ استبشر، ثمَّ استدنى أَحْمد بن أبي خَالِد،
وأعلمه أَنه من أعظم خلق الله منَّة عَلَيْهِ، وأوجبهم حَقًا، وَأمره بالمصير إِلَى منزله.
فَصَارَ أَحْمد بن أبي خَالِد إِلَى دَار الْفضل، فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ فِيهَا؛ عانقه وَقَبله، وَقَالَ: أوجبت، وَالله، عَليّ حَقًا.
وَسَأَلَهُ عَن خبر الْكتاب، فَذكره لَهُ، فوعده ببلوغ الْمحبَّة، وَأمر بإنزاله منزلا يتَّخذ لَهُ، ويفرش بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ، وَوجه بحاجبه، وَبَعض خدمه, وَمَعَهُمْ تخوت ثِيَاب، وَخَمْسُونَ ألف دِرْهَم، وَاعْتذر إِلَيْهِ، وَأمره بالاستعداد للوصول إِلَى الْمَأْمُون، ثمَّ أوصله إِلَيْهِ، وَوَصفه لَهُ، وقرظه.
وَلم يزل يقوم بِحَالهِ عِنْده، حَتَّى أَمر الْمَأْمُون بتصريف أَحْمد بن أبي خَالِد، وأجرى لَهُ الأرزاق والأنزال، وأجراه فِي الْوُصُول إِلَيْهِ مجْرى الْخَاصَّة، وقلده من أَعمال الخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر، أعمالا جليلة، وتمكنت حَاله عِنْده.
قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس: وحَدثني عَليّ بن أبي عون، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْعَبَّاس بن الْفُرَات، قَالَ: حَدثنِي عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عمر الْجِرْجَانِيّ الْكَاتِب: وَذكر من خبر أَحْمد بن أبي خَالِد وَيحيى بن خَالِد مثل الَّذِي ذكره يحيى بن خاقَان، وَزَاد فِيهِ: إِن أَحْمد بن أبي خَالِد لم يحظ من أَيَّام يحيى بن خَالِد بِشَيْء، وَإنَّهُ لزمَه عِنْد حَبسه، فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة زوده كتابا إِلَى الْفضل بن سهل يعْتَذر إِلَيْهِ فِيهِ من ولَايَة مَا أولاه، ويسأله مكافأته عَنهُ، وَأَنه احتفظ بِالْكتاب مُدَّة أَيَّام الرشيد، وصدرا من أَيَّام مُحَمَّد، وَسَاءَتْ حَال أَحْمد بن أبي خَالِد، وَعظم فقره جدا، واشتدت عَلَيْهِ العطلة والخلة، فَلَمَّا أنفذ مُحَمَّد الْأمين عَليّ بن عِيسَى بن ماهان لمحاربة طَاهِر؛ عمل أَحْمد على اتِّبَاع عسكره.
قَالَ مُحَمَّد بن عمر الْجِرْجَانِيّ: فَجَاءَنِي يذكر مَا عزم عَلَيْهِ، ويصف إفراط خلته، وقصور حيلته، وسألني أَن أسأَل سَلاما الأبرش، لمودة كَانَت بَينه وَبَين أَبِيه، أَن يُعينهُ بمركوب، وبألفي دِرْهَم.
فقصدت سَلاما، وَسَأَلته فِي ذَلِك، فَقَالَ: وَالله، لَو كَانَ لي بِعَدَد الذُّبَاب دَوَاب؛ مَا أَعْطيته شَعْرَة من ذَنْب وَاحِد مِنْهَا، وَلَو كَانَ عِنْدِي بِقدر رمل عالج عين وورِق؛ مَا أَعْطيته مِنْهَا حَبَّة.
فَانْصَرَفت إِلَيْهِ، وَقد كَانَ أَقَامَ فِي منزلي، ينْتَظر مَا يجْرِي، فَأَخْبَرته بِمَا قَالَ، وَحلفت لَهُ أَنِّي مَا أملك إِلَّا دَابَّة وَبغلة وَأَرْبع مائَة دِرْهَم، فليأخذ مِنْهَا مَا شَاءَ.
فَقَالَ: أَنْت إِلَى الدَّابَّة فِي الْحَضَر أحْوج، وَأَنا إِلَى البغلة فِي السّفر أحْوج، فأعطنيها، وَأَنت مُقيم، وَأَنا مُسَافر، وتقدر، أَنْت، أَن تحتال لنَفسك نَفَقَة، وَأَنا لَا أقدر، فَأعْطِنِي أَربع مائَة الدِّرْهَم كلهَا.
فدفعتها إِلَيْهِ مَعَ البغلة، وَصَحب عَسْكَر عَليّ بن عِيسَى.
فَلَمَّا حدث على عَليّ مَا حدث؛ صَار إِلَى الْفضل، فأوصل إِلَيْهِ الْكتاب، فقرأه، وسر نِهَايَة السرُور، وأكرمه غَايَة الْإِكْرَام، وَأنكر عَلَيْهِ تَأَخره إِلَى ذَلِك الْوَقْت.
وَقَالَ: مَا أعرف شَيْئا أَقْْضِي بِهِ حَقك، إِلَّا أَن أشركك فِي أَمْرِي، وأقلدك الْعرض على أَمِير الْمُؤمنِينَ خلَافَة لي.
فقلده ذَلِك، وَكبر أمره.
وَلم يزل أَحْمد بن أبي خَالِد، يضْرب على سَلام الأبرش، ويغري بِهِ الْمَأْمُون، إِلَى أَن قَالَ لَهُ: قد وهبت لَك دَمه، وَجَمِيع مَا يملكهُ.
فَقبض عَلَيْهِ، وَقبض مِنْهُ مَا قِيمَته أَرْبَعَة آلَاف ألف دِرْهَم، ودعا بِالسَّيْفِ والنطع، وَأمر بِضَرْب عُنُقه، بعد أَن قرعه بِمَا كَانَ مِنْهُ عِنْد مَسْأَلَة مُحَمَّد بن عمر الْجِرْجَانِيّ فِي أمره.
ثمَّ أعرض عَن قَتله، وَأمر بحبسه، وَقَالَ لِلْمَأْمُونِ: إِنِّي كرهت أَن أتجاوز مَذْهَب أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الْعَفو، فاستصوب رَأْيه.
وترقت أَحْوَال أَحْمد بن أبي خَالِد، إِلَى أَن تقلد وزارة الْمَأْمُون.
قَالَ: مُحَمَّد بن عمر الْجِرْجَانِيّ: وَحدثت الْفِتَن بعد ذَلِك بِبَغْدَاد، وتشرد أَهلهَا عَنْهَا، فهربت إِلَى إخْوَان كَانُوا لي بِالْكُوفَةِ، فأقمت عِنْدهم، واستطبت الْبَلَد، فسكنته، وابتعت بِجَمِيعِ مَا أملكهُ ضَيْعَة هُنَاكَ، وولينا عَامل أحسن إِلَيْنَا، فشكرناه، وانعقدت بَيْننَا وَبَينه مَوَدَّة وكيدة.
ثمَّ صرف بعامل آخر، فحقد علينا الْمَوَدَّة الَّتِي كَانَت بَيْننَا وَبَين المصروف، فأساء معاشرتنا، واضطرنا إِلَى قصد أَحْمد بن أبي خَالِد للتظلم، فَدخلت بَغْدَاد، فَلَمَّا رَآنِي أكرمني، واستبطأني، وَذكر تطلعه إِلَى لقائي، وَطَلَبه إيَّايَ، وغموض خبري عَلَيْهِ، وسألني عَن أموري، فشرحتها لَهُ، فَكتب بِخَطِّهِ بِصَرْف الْعَامِل، وتقليد المصروف الَّذِي كَانَ صديقي.
وأعلمني بِمَا جرى عَلَيْهِ أَمر سَلام الأبرش، وَقَالَ: قد كنت جعلت لَك فِيمَا قبضت مِنْهُ الرّبع، وَهُوَ مَعْزُول لَك، فتسلمه، وَكَانَ قِيمَته ألف ألف دِرْهَم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع