تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

قصَّة أبي عبيد الله وَزِير الْمهْدي وَكَيف ارتقت بِهِ الْحَال حَتَّى نَالَ الوزارة

وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي، فِي كِتَابه، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْخَطِيب، قَالَ: حَدثنِي من سمع أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول، يَقُول: كَانَ أبي صديقا لأبي عبيد الله وَزِير الْمهْدي، وَهُوَ إِذْ ذَاك معلم، وَأبي متخلي، فَكَانَا يتعاشران، ويألفهما أَحْمد بن أَيُّوب.

قَالَ أَبُو خَالِد: وَكُنَّا نتبين فِي أبي عبيد الله شمائل الرِّئَاسَة، ونصدره إِذا اجْتَمَعنَا، وَنَرْجِع إِلَى رَأْيه فِيمَا يعرض لنا.

فَقلت لَهُ لَيْلَة، وَنحن نشرب: نحسبك سترأس، وتبلغ مبلغا عَظِيما، فَإِن كَانَ ذَلِك؛ فَمَا أَنْت صانع بِنَا؟ فَقَالَ: أما أَنْت يَا أَبَا خَالِد؛ فأصيرك خليفتي على أَمْرِي، وَأما أَنْت يَابْنَ أَيُّوب؛ فَقل مَا أردْت.

فَقَالَ: أُرِيد أَن توليني أَعمال مصر سبع سِنِين مُتَوَالِيَة، وَلَا تَسْأَلنِي بعد الصّرْف عَن حِسَاب.

قَالَ: ذَلِك لَك.

قَالَ أَبُو خَالِد: فَلم يمض لهَذَا الْأَمر إِلَّا مديدة، حَتَّى أَمْسَكت السَّمَاء، وَخرج النَّاس يستسقون، وَكَانَ عَلَيْهِم، إِذْ ذَاك، ثَعْلَبَة بن قيس، عَاملا من قبل صَالح بن عَليّ، فَمَا انْصَرف النَّاس، حَتَّى أَتَت السَّمَاء بمطر غزير.

فَقَالَ ثَعْلَبَة لكَاتبه: اكْتُبْ إِلَى الْأَمِير بِمَا كَانَ من الْقَحْط، وَمَا حدث بعده

من الاسْتِسْقَاء، وَمَا تفضل الله بِهِ من الْغَيْث.

فَكتب كتابا، لم يرضه ثَعْلَبَة، فَقَالَ لمن حوله: أَلا يصاب لي رجل، يُخَاطب السُّلْطَان عني، بخطاب حسن.

فَقَالَ لَهُ بَعضهم: هَهُنَا رجل مؤدب، مَعَه بلاغة، وأدب كثير، وَفِيه، مَعَ ذَلِك، عقل.

فَقَالَ: أحضرهُ.

فأحضر أَبَا عبيد الله، وَأمره بِأَن يكْتب عَنهُ إِلَى صَالح بن عَليّ، فِي ذَلِك الْمَعْنى، فَكتب كتابا استحسنه ثَعْلَبَة، وأنفذه إِلَى صَالح بن عَليّ.

فَلَمَّا قَرَأَهُ أعجبه، وَكتب إِلَى ثَعْلَبَة: أَن أحمل إِلَيّ كاتبك على الْبَرِيد، فَحَمله إِلَيْهِ، فَلَمَّا وافاه؛ امتحنه، فَوَجَدَهُ كَافِيا فِي كل مَا أَرَادَهُ، فاستكتبه.

فَلَمَّا تَتَابَعَت كتبه عَن صَالح بن عَليّ إِلَى الْمَنْصُور؛ قَالَ الْمَنْصُور: كنت أرى كتب صَالح بن عَليّ ترد ملحونة، وأراها الْآن ترد بِغَيْر ذَلِك الْخط، وَهِي محكمَة سديدة حَسَنَة.

فخبر بِخَبَر أبي عبيد الله، فَأحْضرهُ، فَلَمَّا فاتشه؛ وجده كَمَا أَرَادَ، فاستكتبه لِابْنِهِ الْمهْدي.

قَالَ أَبُو خَالِد: وَطعن الرّبيع على أبي عبيد الله، عِنْد الْمَنْصُور، مرَارًا.

فَقَالَ: وَيلك، أتلومني فِي اصطناع مُعَاوِيَة، وَقد كنت أجتهد بِأبي عبد الله؛ يَعْنِي: الْمهْدي، أَن ينْزع عَنهُ لِبَاس الْعَجم، فَلَا يفعل، فَلَمَّا صَحبه مُعَاوِيَة؛

لبس لِبَاس الْفُقَهَاء.

قَالَ أَبُو خَالِد: ثمَّ أشخصني أَبُو عبيد الله إِلَيْهِ، لما كتب للمهدي، فقلدني خِلَافَته على الدِّيوَان، فَلَمَّا مَاتَ الْمَنْصُور، وَولي الْمهْدي الْخلَافَة؛ أنفذت الْكتب إِلَى أَحْمد بن أَيُّوب بِولَايَة مصر، فَلم يزل بِمصْر، واليا عَلَيْهَا، إِلَى أَن توفّي بهَا.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.