تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

القَاضِي التنوخي يتحدث عَن قصَّته مَعَ أبي عَليّ أَحْمد بن مُحَمَّد الصولي

قَالَ مؤلف الْكتاب: كنت بِالْبَصْرَةِ فِي الْمكتب سنة خمس وَثَلَاثِينَ، وَأَنا مترعرع، أفهم، وأحفظ مَا أسمع، وأضبط مَا يجْرِي.

وَكَانَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن يحيى الصولي، قد مَاتَ بهَا فِي شهر رَمَضَان من هَذِه السّنة، وَأوصى إِلَى أبي فِي تركته، وَذكر فِي وَصيته أَنه لَا وَارِث لَهُ.

فَحَضَرَ إِلَى أبي ثَلَاثَة إخْوَة شباب فُقَرَاء، بأسوإ حَال، يُقَال لأكبرهم: أَبُو عَليّ أَحْمد، والأوسط: أَبُو الْحسن مُحَمَّد، والأصغر أَبُو الْقَاسِم، بَنو مُحَمَّد التمار.

وَذكروا لأبي، أَن أمّهم تقرب إِلَى أبي بكر الصولي، وَأَنَّهُمْ يرثونه برحمها مِنْهُ، وَذكروا الرَّحِم واتصالها.

فسامهم أبي، أَن يبينوا ذَلِك عِنْده بِشَهَادَة شَاهِدين من الْعُدُول؛ ليعطيهم مَا يفضل، بعد الدَّين من التَّرِكَة، عَن الثُّلُث، فاضطربوا فِي ذَلِك، وَكَانُوا يتعكسون فِي إِقَامَة الشَّهَادَة شهورا، ويلازمون بَاب أبي.

وَكَانَ مكتبي فِي بَيت قد أخرجه من دَاره إِلَى سكَّة الِاثْنَيْنِ الَّتِي ينزلها، وَجعل بَينه وَبَين بَاب دَاره، دكانا ممتدا.

فَكنت ومعلمي وَالصبيان نجلس طرفِي النَّهَار على الدّكان، وَفِي انتصافه فِي الْبَيْت.

فَكَانَ هَؤُلَاءِ الْإِخْوَة يَجْلِسُونَ عِنْدِي فِي الْمكتب كثيرا، ويؤانسون معلمي، ويلاعبوني، ويتقربون إِلَيّ، ويسألوني أَن أعرض لَهُم على أبي، الرقعة بعد الرقعة، يعطوني إِيَّاهَا.

فَقَالَ لي يَوْمًا، الْأَكْبَر مِنْهُم، وَهُوَ أَبُو عَليّ أَحْمد بن مُحَمَّد: إِن أَعْطَاك الله، تَعَالَى، الْحَيَاة، حَتَّى تتقلد الْقَضَاء، وَتصير مثل القَاضِي أَبِيك فِي الْجَلالَة وَالنعْمَة، وجئتك، أَي شَيْء تُعْطِينِي؟ فَقلت لَهُ، بالصبا، وكما جرى عَلَيْهِ لساني: خمس مائَة دِينَار.

قَالَ: فَأعْطِنِي خطك بهَا، فَاسْتَحْيَيْت، وَسكت.

فَقَالَ لمعلمي: قل لَهُ يكْتب لي.

فَقَالَ لي: اكْتُبْ لَهُ، وأملى عَليّ الْمعلم، وَأَبُو عَليّ، رقْعَة فِي هَذَا الْمَعْنى، وَأَخذهَا أَبُو عَليّ.

فَمَا مَضَت إِلَّا أَيَّامًا حَتَّى استدت لَهُم بِالشَّهَادَةِ عِنْد أبي، على صِحَة مَا ادعوهُ من الرَّحِم، وَاسْتِحْقَاق الْمِيرَاث بهَا.

وَكَانَ أبي قد بَاعَ التَّرِكَة، وَقضى الدَّين، وَفرق قدر الثُّلُث، وَترك الْبَاقِي مَالا عِنْده، فَأمر بِتَسْلِيمِهِ إِلَيْهِم، وَأشْهد بِقَبْضِهِ عَلَيْهِم، وَانْصَرفُوا.

فَمَا وَقعت لي عين على أحد مِنْهُم، إِلَّا فِي سنة وَخمسين وَثَلَاث مائَة، فَإِنِّي كنت أتقلد الْقَضَاء وَالْوُقُوف بسوق الأهواز، ونهر تيرى، والأنهار، والأسافل، وسوق رامهرمز، سهلها وجبلها، وأعمال ذَلِك، وَأَنا فِي دَاري بالأهواز، وأمري فِي ضيعتي مُسْتَقِيم.

فَدخل إِلَيّ بوابي، فَقَالَ: بِالْبَابِ رجل يَقُول: أَنا من قرَابَة الصولي، قدمت من بَغْدَاد بكتب إِلَيْك، وَذكره لي، فَلم أذكرهُ.

وَقلت: أدخلهُ.

فَدخل رجل شيخ لم أعرفهُ، فَسلم وَجلسَ، وَقَالَ: أَنا خَادِم القَاضِي مُنْذُ كَانَ من الْمكتب، أَنا قرَابَة الْوَلِيّ، فعرفته، وَلم أذكر الْخط، وَلَا الْقَضِيَّة.

فَأخْرج إِلَيّ كتبا من جمَاعَة رُؤَسَاء بِبَغْدَاد، يذكرُونَ أَنه قد كَانَ مُقيما مُنْذُ سِنِين بِبَغْدَاد، وراقا بقصر وضاح بالشرقية، بِحَالَة حَسَنَة، فلحقته محن أفقرته، ويسألوني تصرفه ومنفعته، فوعدته جميلا.

فَقَالَ: إِنَّمَا جعلت هَذِه الْكتب طَرِيقا، يعرفونني القَاضِي بهَا، وَمَا أعول الْآن عَلَيْهَا، إِذْ قد أحياني الله، ﷿، إِلَى أَن رَأَيْته قَاضِيا فِي بعض عمل أَبِيه، ﵁، وجاهه وَنعمته، كجاهه وَنعمته، أَو قريب من ذَلِك، وَقد حل لي بذلك دين عَلَيْهِ، وَاجِب فِي ذمَّته، وَمَا أقنع إِلَّا بِهِ.

فَقلت: مَا معنى هَذَا الْكَلَام؟ فَقَالَ: أينسى القَاضِي ديني؟ ثمَّ أخرج رقعتي الَّتِي كَانَ أَخذهَا مني فِي الْمكتب.

فحين رَأَيْتهَا؛ ذكرت الحَدِيث، وحمدت الله كثيرا، وَقلت: دين وَاجِب حَال، وَحقّ مرعي وَكيد، وبكن تعرف صعوبة الزَّمَان، وَالله، مَا يحضرني الْيَوْم مائَة دِينَار مِنْهَا، وَلَو حضرت؛ مَا صلح أَن أشتهر بصلتك بهَا،

فَيصير لي حَدِيث يعود بِضَرَر عَليّ، وَلَكِن ارْض مني بِأخذ دينك مُتَفَرقًا.

فَقَالَ: قد رضيت، وَمَا جِئْت إِلَّا لأقيم فِي فنائك، إِلَى أَن أَمُوت.

وَجَاء لينهض، فَقلت: إِلَى أَيْن؟ اجْلِسْ، فَجَلَسَ، فَوَقَعت لَهُ فِي الْحَال إِلَى بزاز كَانَ يعاملني، أَن يُعْطِيهِ ثيابًا بِثَلَاث مائَة دِرْهَم، وَإِلَى جهبذ الْوُقُوف، أَن يُعْطِيهِ من أَبْوَاب الْبر عشرَة دَنَانِير، واستدعيت كيس نفقتي، وأعطيته مِنْهُ مِائَتي دِرْهَم.

وَقلت لَهُ: قُم، فاستأجر دَارا، وتأثث بِمَا قد حضر الْآن، واكتس، وعد إِلَيّ؛ لأصرفك فِيمَا أَرْجُو أَن أوصله إِلَيْك مِنْهُ وَمن مَالِي، الْجُمْلَة الَّتِي فِي الرقعة.

فَقبل يَدي ورجلي، وَبكى، وَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي أَرَانِي هَذَا الْفضل مِنْك، وحقق فراستي فِيك، وَقَامَ.

وَجَاءَنِي بعد يَوْمَيْنِ فِي ثِيَاب جدد، فَأمرت بوابي أَلا يَحْجُبهُ عَليّ، وخلطته بنفسي، وأجريت عَليّ من أَبْوَاب الْبر بِالْوُقُوفِ، بالضعف والمسكنة، دينارين فِي الشَّهْر، وقلدته الإشراف على المنفقين فِي ديوَان الْوُقُوف، وأجريت عَلَيْهِ لهَذَا ثَلَاثَة دَنَانِير أُخْرَى فِي الشَّهْر، ووليته جباية عقار الْأَيْتَام، ووليته عَلَيْهِم، وأذنت لَهُ فِي أَخذ أعشار الِارْتفَاع، وَجَعَلته مشرفا على أوصياء فِي وَصَايَا فِي أَيْديهم، إِلَى أَن يخرجوها فِي وجوهها، وَجعلت لَهُ على ذَلِك أجرا.

وَركبت إِلَى عَامل الْبَلَد، فَسَأَلته لَهُ، فَأجرى عَلَيْهِ فِي كل سنة، من مَال

أَثمَان فَرَائض الصَّدقَات، سِتِّينَ دِينَارا، وَكَانَ رسم أهل ديوَان الصَّدقَات بكور الأهواز، فِي ذَلِك الْحِين، أَن يسبب لَهُم بِنصْف أَرْزَاقهم، ويرتفق الْعمَّال من ذَلِك النّصْف بِقِطْعَة مِنْهُ، ويصل إِلَيْهِم الْبَاقِي تحققا، أَو يسبب أَخذه مستأنفا؛ لضيق المَال وقلته عَن أصُول أرزاق المرتزقة، فَكنت أتقدم إِلَى من يقوم لَهُ فِي الْمُطَالبَة، أَن يلازم الْعمَّال، حَتَّى يصل إِلَيْهِ كَامِلا.

وَكنت أعْطِيه، فِي كل شهر، أَو شَهْرَيْن، شَيْئا من مَالِي، وشيئا من كسوتي، وثيابا صَحِيحَة من بزازي، فوَاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، مَا صرفت عَن عَمَلي، وَكَانَت صحبته لي نَحْو ثَلَاثِينَ شهرا، إِلَّا وَقد وصل إِلَيْهِ من هَذَا الْوَجْه وَمن غَيره، أَكثر من خمس مائَة دِينَار، حَتَّى أَنه تزوج فِيهَا بوساطتي، وبجاه خدمتي، إِلَى امْرَأَة موسرة، من أهل الأهواز، وَصَارَ الرجل من المتوسطين بالأهواز، وَصَارَ ينْسب إِلَى الصولي، وَشهر نَفسه بـ: أبي عَليّ الصولي.

ثمَّ صرفت عَن تِلْكَ الْولَايَة فِي سنة تسع وَخمسين وَثَلَاث مائَة، لما ولي الوزارة مُحَمَّد بن الْعَبَّاس، فقصدني وصرفني، وَقبض ضيعتي، وأشخصني إِلَى بَغْدَاد، بعد حُقُوق كَانَت لي عَلَيْهِ، وآمال لي فِيهِ.

فتجرد أَبُو عَليّ هَذَا، الْمَعْرُوف بـ: الصولي، لسبي فِي الْمجَالِس، وشتمي فِي المحافل، والطعن عَليّ بالعظائم، والسعاية عَليّ فِي مكارهي.

فكشف الله، تَعَالَى، تِلْكَ المحن عني، وأجراني على تفضله، بِغَيْر كثير سعي مني، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وعدت بعد ثَلَاث سِنِين وشهور إِلَى الأهواز، واليا بهَا، وللأعمال الَّتِي كنت عَلَيْهَا مَعهَا، وأضيف إِلَيّ وَاسِط وأعمالها، وَقد اسْتخْلفت عَلَيْهَا وَرجعت إِلَى دَاري، فَجَاءَنِي هَذَا الرجل معتذرا.

فَقلت لَهُ: أَتُحِبُّ أَن أقبل عذرك؟

قَالَ: نعم.

قلت: أَخْبرنِي مَا السَّبَب الَّذِي أحوجك إِلَى مَا عملت بِي من الْقَبِيح، بعد مَا عملته مَعَك من الْجَمِيل؟ فجمجم فِي القَوْل.

فَقلت لَهُ: مَا إِلَى الرِّضَا سَبِيل.

فَقَالَ: أَنا أصدقك، دخلت عَلَيْك يَوْمًا، وعَلى رَأسك قلنسوة باذان جَدِيدَة من خرقَة حَسَنَة، فاستحملتها، فسألتك هبتها لي، فرددتني، فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام؛ رَأَيْتهَا على رَأس ابْن نظيف الْمُتَكَلّم، الْمَعْرُوف بـ: شهدانه.

فَسَأَلته: من أَيْن لَك هَذِه؟ فَقَالَ: وَهبهَا لي القَاضِي.

فوقر ذَلِك فِي نَفسِي مِنْك، وتزايد، فَلَمَّا حدثت تِلْكَ النكبة؛ كَانَ مني بعض مَا بلغك، وَأَكْثَره كذب، وَأَنت ولي الْعَفو، وَجعل يقبل يَدي ورجلي، ويبكي.

فعجبت من لؤم طبعه، وَمن كَثْرَة شَره، وقبح كفره للنعم، وَاخْتِلَاف أَحْكَام الْأَزْمِنَة وَأَهْلهَا، وَجعلت أَكثر من قَول: الْحَمد لله على تفضله، وَلم أكافه بقبيح الْبَتَّةَ.

واقتصرت بِهِ على الْحَال الَّتِي كنت وليته إِيَّاه؛ لِأَن القَاضِي الَّذِي ولي الْقَضَاء بعدِي، أقره على مَا كنت وليته، فَكَانَ قد اسْتمرّ لَهُ أَخذ الدَّنَانِير من الصَّدقَات والجاري من الْوُقُوف وأبواب الْبر، وقبضت يَدي عَن نَفعه بِمَا فَوق ذَلِك.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّابِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.