من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
فر هَارِبا من الضائقة فوافاه الْفرج فِي النهروان
وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي فِي كِتَابه، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَليّ أَحْمد بن جَعْفَر بن عبد ربه البرقي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو سعيد الْحُسَيْن بن سعيد القطربلي.
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وحَدثني صَاحب لي من ولد إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق، أَخُو مُوسَى بن إِسْحَاق الْأنْصَارِيّ الخطمي، وَهُوَ على بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق، أَخُو مُوسَى بن إِسْحَاق، قَالَ: سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن بن أبي عمر القَاضِي، يحدث أَبَا الْقَاسِم عَليّ بن يَعْقُوب، كَاتب بجكم، وَكَاتب الترجمان بِهَذَا الحَدِيث، وَيَقُول: إِنَّنِي ألفت كتابا وسميته: كتاب (الْفرج بعد الشدَّة)، وَذكرت فِيهِ هَذَا الْخَبَر، وعدة أَخْبَار تجْرِي مجْرَاه، قَالَ: وَأخذ يقرظ كِتَابه، ويشوق عَليّ بن يَعْقُوب إِلَيْهِ، قَالَ: حَدثنِي أَبُو سعيد الْحُسَيْن القطربلي، قَالَ: كَانَ فِي جيراني رجل من أهل البيوتات، فَزَالَتْ عَنهُ، وَسَاءَتْ حَاله جدا، وَكَانَت لَهُ زَوْجَة وَأَرْبع بَنَات، فحبلت زَوجته، وَأَخذهَا الْمَخَاض فِي اللَّيْل.
قَالَ: وَلم تكن لي حِيلَة فِي الدُّنْيَا، فَخرجت لَيْلًا، هَارِبا على وَجْهي، أَمْشِي، حَتَّى أتيت جسر النهروان، وأملت أَن ألْقى عاملها، وَكَانَ يعرفنِي،
وأسأله تصريفي فِي شَيْء، وتعجيل رزق شهر؛ لأنفذه إِلَى زَوْجَتي.
فوصلت إِلَى الْموضع، وَقد ارْتَفع النَّهَار، فَقَعَدت أستريح بِالْقربِ من بقال.
فَإِذا فيج، وَهُوَ السَّاعِي، قد جَاءَ، فَوضع مخلاته وَعَصَاهُ، ثمَّ قَالَ للبقال: أَعْطِنِي كَذَا وَكَذَا؛ من خبز وتمر وإدام، فَأعْطَاهُ، فَأكل، وَوزن لَهُ الثّمن.
ثمَّ فتح مخلاته، فميز مَا فِيهَا من الْكتب، فَرَأَيْت فِيهَا كتابا إِلَيّ، وَعَلِيهِ اسْم منزلي واسمي وكنيتي، وَلَا أعرف كَاتبه.
فَقلت للفيج: هَذَا الْكتاب إِلَيّ.
فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا تَقول؟ فَقلت لَهُ: قد قلت الصَّحِيح، فَإِن مضيت إِلَى بَغْدَاد؛ لم تَجِد صَاحب الْكتاب.
فَقَالَ: أههنا إِنْسَان يعرفك؟ قلت: نعم، الْعَامِل.
قَالَ: قُم بِنَا إِلَيْهِ.
فَجئْت، فَلَمَّا دخلت على الْعَامِل؛ قَالَ: مَا أقدمك علينا، يَا فلَان؟ فَقلت لَهُ: قبل كل شَيْء، أعزّك الله، من أَنا؟ وَأَيْنَ منزلي بِبَغْدَاد؟ فَقَالَ: أَنْت فلَان بن فلَان، ومنزلك بِمَدِينَة السَّلَام، فِي مَدِينَة المنصورة مِنْهَا، فِي سكَّة كَذَا وَكَذَا.
فَقلت للفيج: عرفتَ صدقي؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: فَحدثت الْعَامِل بحديثي، وَأخذت الْكتاب من الفيج، فَإِذا هُوَ من بعض المستورين بالدينور، يذكر أَن ابْن عَم كَانَ لي قد توفّي، بعد أَن أوصى إِلَيْهِ أَنِّي وَارثه، وسماني لَهُ، وَوصف منزلي بِبَغْدَاد.
قَالَ: وَقد كتب الرجل، يذكر أَن ابْن عمي أوصى بِالثُّلثِ من مَاله فِي وُجُوه من أَبْوَاب الْقرب، وَأَن يسلم بَاقِي ثُلثَيْهِ إِلَيّ، وَأَنه بَاعَ من أثاثه ومنقوله مَا خَافَ فَسَاده من تركته، وَصرف الثُّلُث مِنْهُ فِي بعض مَا كَانَ أوصى بِهِ، وأنفذ إِلَيّ سفتجة بالثلثين من ذَلِك، مبلغها سبع مائَة دِينَارا وَكَذَا وَكَذَا دِينَارا، تحل بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا، على تَاجر فِي دَار الْقطن بالكرخ.
وَقَالَ: الْوَجْه أَن تبادر إِلَى الدينور، وتبيع الْعقار والضياع، أَو أبيع الثُّلُث مِنْهَا؛ ليصرف فِي وَجهه، وتتمسك بالثلثين إِذا شِئْت.
قَالَ: فورد عَليّ من السرُور مَا لَا عهد لي بِمثلِهِ، وحمدت الله، ﷿.
فَقلت للفيج: قد وَجب حَقك، وسأحسن إِلَيْك، وشرحت لَهُ قصتي، وَأَنه لَا حَبَّة معي فضَّة فَمَا فَوْقهَا.
فجَاء إِلَى الْبَقَّال، فَقَالَ: زن لأستاذي بِكَذَا وَكَذَا خبْزًا، وبكذا وَكَذَا إدَامًا، وَمَا يُرِيد غَيرهمَا.
فتغديت، وَوزن الفيج ثمن ذَلِك من عِنْده، واستأجر حِمَارَيْنِ، فأركبني أَحدهمَا، وَركب هُوَ الآخر، وَوزن الْأُجْرَة من عِنْده.
وَجِئْنَا فِي بَقِيَّة يَوْمنَا إِلَى بَغْدَاد، وقصدنا دَار الْقطن، وَفِي النِّهَايَة بَقِيَّة صَالِحَة، فأوصلت السفتجة إِلَى التَّاجِر، فنظرها، وَقَالَ: صَحِيحَة، إِذا حل الْأَجَل؛ فَاحْضُرْ للقبض.
فَقلت لَهُ: خُذ حَدِيثي، وَافْعل بعد ذَلِك مَا يوفقك الله، تَعَالَى، لَهُ، وقصصت عَلَيْهِ قصتي.
فَقَالَ لي: وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، إِنَّك صَادِق؟ فَحَلَفت.
فَأخْرج كيسا كَانَ بِقُرْبِهِ، فوزن لي مِنْهُ مَال السفتجة.
وصرت من وقتي إِلَى السُّوق، فاشتريت سويقا، وسكرا، وَعَسَلًا، وشيرجا، وخبزا عَظِيما، وخروفا مشويا، وحلوى، مِمَّا يصلح للنِّسَاء فِي النّفاس، ومهدا، وفرشا حسنا، وعطرا صَالحا، وشيئا من ثِيَاب.
وصرت إِلَى منزلي، وَقد قرب الْعشَاء الْآخِرَة، فَوجدت كل من فِيهِ من النِّسَاء يلعنني، وَيَدْعُو عَليّ.
فَقدمت الحمالين، وَدخلت وَرَاءَهُمْ، فَانْقَلَبت الدَّار بِالدُّعَاءِ لي، وَصَارَ الْغم سُرُورًا، وَوجدت زَوْجَتي قد ولدت غُلَاما.
فَعرفت الصّبيان خبر السفتجة وَالْمِيرَاث والفيج، وَأعْطيت
الزَّوْجَة، والقابلة، من الدَّنَانِير شَيْئا.
وأقمت الفيج عِنْدِي أَيَّامًا، حَتَّى أصلحت من أَمْرِي، وَأمر عيالي، مَا وَجب صَلَاحه، وخلفت لَهُم نَفَقَة، وَأخذت من الدَّنَانِير نَفَقَة، وَأعْطيت الفيج مِنْهَا، فأجزلت لَهُ، واكتريت حِمَارَيْنِ لي وَله، واستصحبته إِلَى الدينور.
فَوجدت فِيهَا مَا تحصل لي مِمَّا خَلفه ابْن عمي نَحْو عشرَة آلَاف دِينَار، فَبعث ذَلِك كُله، وَأخذت بحصتي سفاتج إِلَى بَغْدَاد.
وعدت وَقد فرج الله عني، وَقد صلح حَالي، وَأَنا أعيش فِي بَقِيَّة تِلْكَ الْحَال إِلَى الْآن.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع