تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

آلى على نَفسه أَن لَا يَأْكُل لحم فيل أبدا

حَدثنِي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن مُحَمَّد الشَّاهِد الْمَعْرُوف بِابْن الطَّبَرِيّ، قَالَ: حَدثنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد الْخُلْدِيِّ الصُّوفِي، قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم الْخَواص الصُّوفِي، رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ: ركبت الْبَحْر مَعَ جمَاعَة من الصُّوفِيَّة، فَكسر بِنَا الْمركب، فنجا منا قوم على لوح من خشب الْمركب.

فوقفنا على سَاحل لَا نَدْرِي فِي أَي مَكَان هُوَ، فَأَقَمْنَا فِيهِ أَيَّامًا لَا نجد مَا نقتاته،

فأحسسنا بِالْمَوْتِ، وأيقنا بتلفنا من الْجُوع لَا محَالة.

فَقَالَ بَعْضنَا لبَعض: تَعَالَوْا نجْعَل لله تَعَالَى على أَنْفُسنَا أَن نَدع لَهُ شَيْئا، فَلَعَلَّهُ أَن يَرْحَمنَا فيخلصنا من هَذِه الشدَّة.

فَقَالَ بَعْضنَا: أَصوم الدَّهْر كُله.

وَقَالَ الآخر: أُصَلِّي كل يَوْم كَذَا وَكَذَا رَكْعَة.

وَقَالَ بَعْضنَا: أدع لذات الدُّنْيَا، إِلَى أَن قَالَ كل وَاحِد مِنْهُم شَيْئا، وَأَنا سَاكِت.

فَقَالُوا: قل أَنْت الآخر شَيْئا.

فَلم يجر على لساني إِلَّا أَن قلت: أَنا لَا آكل لحم فيل أبدا.

فَقَالُوا: مَا هَذَا القَوْل فِي مثل هَذَا الْحَال؟ فَقلت: وَالله، لم أتعمد هَذَا، وَلَكِنِّي مُنْذُ بدأتم فعاهدتم الله تَعَالَى عَلَيْهِ، وَأَنا أعرض على نَفسِي أَشْيَاء كَثِيرَة فَلَا تطاوعني بِتَرْكِهَا، وَلَا خطر ببالي شَيْء أَدَعهُ لله تَعَالَى، وَلَا مر على قلبِي غير الَّذِي لفظت بِهِ، وَمَا أجري هَذَا على لساني إِلَّا لأمر.

فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة، قَالَ أَحَدنَا: لم لَا نطوف هَذِه الأَرْض مُتَفَرّقين فنطلب قوتًا، فَمن وجد شَيْئا أنذر بِهِ البَاقِينَ، والموعد هَذِه الشَّجَرَة.

قَالَ: فتفرقنا فِي الطّواف، فَوَقع بَعْضنَا على ولد فيل صَغِير، فلوح بَعْضنَا لبَعض فَاجْتَمَعْنَا، فَأَخذه أَصْحَابنَا، واحتالوا فِيهِ حَتَّى شووه وقعدوا يَأْكُلُون.

فَقَالُوا لي: تقدم وكل مَعنا.

فَقلت: أَنْتُم تعلمُونَ أَنِّي مُنْذُ سَاعَة تركته لله ﷿، وَمَا كنت لأرجع فِيهِ، وَلَعَلَّ ذَلِك قد جرى على لساني من ذكري لَهُ، هُوَ سَبَب موتِي من بَيْنكُم، لِأَنِّي مَا أكلت شَيْئا مُنْذُ أَيَّام، وَلَا أطمع فِي شَيْء آخر، وَلَا يراني الله ﷿ أنقض عَهده، وَلَو مت جوعا، فاعتزلتهم وَأكل أَصْحَابِي.

وَأَقْبل اللَّيْل، فأويت إِلَى أصل شَجَرَة كنت أَبيت عِنْدهَا، وتفرق أَصْحَابِي للنوم.

فَلم يكن إِلَّا لَحْظَة، وَإِذا بفيل عَظِيم قد أقبل وَهُوَ ينعر، والصحراء تتدكدك بنعيره وَشدَّة سَعْيه، وَهُوَ يطلبنا.

فَقَالَ بَعْضنَا لبَعض: قد حضر الْأَجَل، فتشهدوا، فأخذنا فِي الاسْتِغْفَار وَالتَّسْبِيح، وَطرح الْقَوْم نُفُوسهم على وُجُوههم.

فَجعل الْفِيل يقْصد وَاحِدًا وَاحِدًا مِنْهُم، فيتشممه من أول جسده إِلَى آخِره، فَإِذا لم يبْق مِنْهُ موضعا إِلَّا شمه، شال إِحْدَى قوائمه فوضعها عَلَيْهِ ففسخه.

فَإِذا علم أَنه قد تلف، قصد إِلَى آخر فَفعل بِهِ مثل فعله بِالْأولِ.

إِلَى أَن لم يبْق غَيْرِي، وَأَنا جَالس منتصب أشاهد مَا جرى وَأَسْتَغْفِر الله ﷿ وأسبح.

فقصدني الْفِيل، فحين قرب مني، رميت بنفسي على ظَهْري فَفعل بِي من الشم كَمَا فعل بِأَصْحَابِي، ثمَّ عَاد فشمني دفعتين أَو ثَلَاثًا، وَلم يكن فعل ذَلِك بِأحد مِنْهُم غَيْرِي، وروحي فِي خلال ذَلِك تكَاد تخرج فَزعًا.

ثمَّ لف خرطومه عَليّ، وشالني فِي الْهَوَاء، فظننته يُرِيد قَتْلِي، فجهرت بالاستغفار.

ثمَّ لفني بخرطومه فجعلني فَوق ظَهره، فانتصبت جَالِسا، وَاجْتَهَدت فِي حفظ نَفسِي بموضعي.

وَانْطَلق الْفِيل، يُهَرْوِل تَارَة، وَيسْعَى تَارَة، وَأَنا تَارَة أَحْمد الله تَعَالَى على تَأْخِير الْأَجَل وأطمع فِي الْحَيَاة، وَتارَة أتوقع أَن يثور بِي فَيَقْتُلنِي، فأعاود الاسْتِغْفَار، وَأَنا أقاسي فِي خلال ذَلِك من الْأَلَم والجزع لشدَّة سرعَة سعي الْفِيل أمرا عَظِيما.

فَلم أزل على ذَلِك، إِلَى أَن طلع الْفجْر وانتشر ضوءه، فَإِذا بِهِ قد لف خرطومه عَليّ.

فَقلت: قد دنا الْأَجَل وَحضر الْمَوْت، وَأَكْثَرت من الاسْتِغْفَار.

فَإِذا بِهِ قد أنزلني عَن ظَهره بِرِفْق، وَتَرَكَنِي على الأَرْض، وَرجع إِلَى الطَّرِيق

الَّتِي جَاءَ مِنْهَا، وَأَنا لَا أصدق.

فَلَمَّا غَابَ عني، حَتَّى لَا أسمع لَهُ حسا، خَرَرْت سَاجِدا لله تَعَالَى، فَمَا رفعت رَأْسِي حَتَّى أحسست بالشمس.

فَإِذا أَنا على محجة عَظِيمَة، فمشيت نَحْو فرسخين، فانتهيت إِلَى بلد كَبِير، فدخلته.

فَعجب أَهله مني، وسألوني عَن قصتي، فَأَخْبَرتهمْ بهَا، فزعموا أَن الْفِيل قد سَار بِي فِي تِلْكَ اللَّيْلَة مسيرَة أَيَّام، واستطرفوا سلامتي.

فأقمت عِنْدهم حَتَّى صلحت من تِلْكَ الشدَّة الَّتِي قاسيتها، وتندى بدني، ثمَّ سرت عَنْهُم مَعَ التُّجَّار، فركبت فِي مركب، وَرَزَقَنِي الله السَّلامَة، إِلَى أَن عدت إِلَى بلدي.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب التَّاسِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.