من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
كفى بالأجل حارسًا
وجدت فِي دفتر عَتيق، أعطانيه أَبُو الْحسن أَحْمد بن يُوسُف الْأَزْرَق ﵀، وَأَخْبرنِي أَنه بِخَط عَمه أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن البهلول الْأَنْبَارِي ﵀، أَحَادِيث من النَّوَادِر عَن ابْن زنبور، مِمَّا صَار إِلَيْنَا، وَلم أسمعهُ مِنْهُ، وَكَانَ فِيهَا حَدِيث يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي، قَالَ: حَدثنَا الْحَارِث بن مرّة، قَالَ: حَدثنَا يزِيد الرقاشِي، قَالَ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْخضر، وَكَانَ أحد أُمَنَاء القَاضِي بِبَغْدَاد، ويخلف الْقُضَاة الْغَيْب بِحَضْرَة قَاضِي الْقُضَاة وَغَيرهم، قَالَ: حَدثنِي صديق لي أَثِق بِهِ، قَالَ: خرجت إِلَى الحائر فِي أَيَّام الحنبلية، أَنا وَجَمَاعَة متخفين، فَلَمَّا صرنا فِي أجمة بنقيا، قَالَ لي رَفِيق فيهم: يَا فلَان، إِن نَفسِي تُحَدِّثنِي أَن السَّبع يخرج، فيفترسني من دون الْجَمَاعَة، فَإِن كَانَ ذَلِك فَخذ حماري وَمَا عَلَيْهِ فأده إِلَى عيالي.
فَقلت: هَذَا استشعار رَدِيء، يجب أَن تتعوذ بِاللَّه مِنْهُ، وتضرب عَن الْفِكر فِيهِ.
فَمَا مضى على هَذَا إِلَّا شَيْء يسير حَتَّى خرج الْأسد، فحين رَآهُ الرجل سقط عَن حِمَاره، فَأَخذه وَدخل بِهِ الأجمة.
وسقت أَنا الْحمار، وأسرعت مَعَ الْقَافِلَة، وَبَلغت الحائر، وزرنا، ورجعنا إِلَى بَغْدَاد.
فاسترحت فِي بَيْتِي أَيَّامًا، ثمَّ أخذت الْحمار وَجئْت بِهِ إِلَى منزله، لأسلمه إِلَى عِيَاله، فدققت الْبَاب، فَخرج إِلَيّ الرجل بِعَيْنِه.
فحين رَأَيْته طَار عَقْلِي وَشَكَكْت فِيهِ، فعانقني، وَبكى وبكيت.
فَقلت: حَدثنِي حَدِيثك.
فَقَالَ: إِن السَّبع سَاعَة أَخَذَنِي جرني إِلَى الأجمة، ثمَّ سَمِعت صَوت شَيْء، وَرَأَيْت الْأسد قد خلاني وَمضى، ففتحت عَيْني، فَإِذا الَّذِي سَمِعت صَوت خِنْزِير، وَإِذا السَّبع لما رَآهُ عنّ لَهُ أَن يتركني، وَمضى فصاده وبرك عَلَيْهِ يفترسه وَأَنا أشاهده، إِلَى أَن فرغ مِنْهُ، ثمَّ خرج من الأجمة وَغَابَ عني.
فسكنت، وتأملت حالتي، فَوجدت مخاليبه قد وصلت إِلَى فَخذي وصُولا قَلِيلا، وقوتي قد عَادَتْ.
فَقلت: لأي شَيْء جلوسي هَاهُنَا؟ فَقُمْت أَمْشِي فِي الأجمة، أطلب الطَّرِيق، فَإِذا بجيف نَاس، وبقر، وغنم، وَعِظَام باليات، وآثار من قد فرسهم الْأسد.
فَمَا زلت أتخطاهم، حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى رجل قد أكل الْأسد بعض جسده، وَبَقِي أَكْثَره، وَهُوَ طري، وَفِي وَسطه هميان قد تخرق بعضه وَظَهَرت مِنْهُ دَنَانِير.
فتقدمت، فجمعتها، وَقطعت الْهِمْيَان، وَأخذت جَمِيع مَا فِيهِ، وتتبعتها، حَتَّى لم يبْق مِنْهَا شَيْء.
وقويت نَفسِي، وأسرعت فِي الْمَشْي، وَطلبت الجادة فَوَقَعت عَلَيْهَا، واستأجرت حمارا، وعدت إِلَى بَغْدَاد، وَلم أمض إِلَى الزِّيَارَة، لِأَنِّي خشيت أَن تسبقوني، فتذكروا خبري لأهلي، فَيصير عِنْدهم مأتم، فسبقتكم، وَأَنا أعالج
فَخذي، وَإِذا من الله عَليّ بالعافية عدت إِلَى الزِّيَارَة.
وَقد حَدثنِي بِهَذَا الحَدِيث، غير وَاحِد من أهل بَغْدَاد، بقريب من هَذِه الْعبارَة.
وَبَلغنِي عَن أبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن مقلة، أَنه كَانَ قَالَ: كنت بالموصل مَعَ المتقي لله وَأَنا وزيره إِذْ ذَاك فَأَتَانِي سَلامَة، أَخُو نجح الطولوني، بفيج مَعَه كتب، فَقَالَ: اسْمَع مَا يَقُول هَذَا، فَإِنَّهُ طريف.
فدعوته، وَقلت: قل.
فَقَالَ: خرجت من بَغْدَاد أريدكم، وَمَعِي رَفِيق لي، فيج من أهل بلد،
فَأَعْطَانِي لما صرنا بَين تكريت وَالسّن دَرَاهِم كَانَت مَعَه، وَقَالَ لي: إِن نَفسه تحدثه أَن الْأسد يخرج فيفترسه.
وَذكر قَرِيبا من هَذَا الحَدِيث.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع