من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
تمكن مِنْهُ السَّبع ثمَّ تخلص مِنْهُ بِأَهْوَن سَبِيل
حَدثنِي الْحسن بن صافي، مولى مُحَمَّد بن المتَوَكل القَاضِي، قَالَ: حَدثنِي غُلَام لي أَثِق بِهِ، قَالَ: أصعدت من وَاسِط، مَاشِيا، أُرِيد بَغْدَاد، فَلَمَّا صرت بَين دير العاقول والسيب، وَأَنا وحدي، فِي يَوْم صَائِف لَهُ ريح شَدِيدَة، رَأَيْت بالبعد مني غيضة عَظِيمَة، قد خرج مِنْهَا سبع.
فحين رَآنِي وحدي أقبل يُهَرْوِل نحوي، فَذهب عَليّ أَمْرِي وأيقنت بِالْهَلَاكِ، وخدر بدني كُله، وَربا لساني فِي فمي، وتحيرت.
إِلَّا أَنِّي أخذت منديلًا، فَجَعَلته فِي رَأس قَصَبَة كَانَت معي، وظننت أَنِّي أفزعه بذلك.
فَأَنا فِي تِلْكَ الْحَالة من الْإِيَاس، وَقد بَقِي بيني وَبَينه مِقْدَار مائَة ذِرَاع، إِذْ قلعت الرّيح أصل حشيش يُقَال لَهُ: بارق عينه، وَصَارَ يلتف بالشوك حَتَّى بَقِي كالكارة الْعَظِيمَة، وَالرِّيح تدحرجه نَحْو السَّبع، وَقد تمكنت مِنْهُ، وَصَارَ لَهَا هفيف شَدِيد.
فحين رأى السَّبع ذَلِك وَسمع الصَّوْت رَجَعَ منصرفًا وَقد فزع فَزعًا شَدِيدا.
وَبَقِي يحول وَجهه فِي كل عشر خطوَات أَو أَكثر، فَإِذا رأى ذَلِك الأَصْل فِي أَثَره يتدحرج زَاد فِي الجري.
وَلم يزل كَذَلِك إِلَى أَن بعد عني بعدا كثيرا، وَدخل الغيضة.
وعادت إِلَيّ نَفسِي ومضيت فِي طريقي، وسلمت.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع