من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
ألجأته الضرورات إِلَى ركُوب الْأسد
حَدثنِي أَبُو جَعْفَر أصبغ بن أَحْمد، وَكَانَ يحجب أَبَا مُحَمَّد المهلبي ﵀، قبل وزارته، فَلَمَّا ولي الوزارة كَانَ يصرفهُ فِي الاستحثاث على الْعمَّال، وَفِي الْأَعْمَال الَّتِي يتَصَرَّف فِيهَا الْعمَّال الصغار، قَالَ: كنت بشيراز مَعَ أبي الْحسن عَليّ بن خلف بن طناب، وَهُوَ يتَوَلَّى عمالتها يَوْمئِذٍ.
فجَاء مستحث من الْوَزير، يُطَالِبهُ بِحمْل الْأَمْوَال، وَكَانَ أحد الْعمَّال الأكابر، وَقد كُوتِبَ بإكرامه.
فَأحْضرهُ أول يَوْم طَعَامه وَشَرَابه، فَامْتنعَ من مؤاكلته، وَذكر أَن لَهُ عذرا.
فَقَالَ: لَا بُد أَن تَأْكُل.
فَأكل بأطراف أَصَابِعه، وَلم يخرج يَده من كمه.
فَلَمَّا كَانَ فِي غَد، قَالَ عَليّ بن خلف لحاشيته: ليدعه كل يَوْم وَاحِد مِنْكُم، فَكَانُوا يَدعُونَهُ، وَيدعونَ بَعضهم بَعْضًا، فَكَانَت صورته فِي الْأكل وَاحِدَة.
فَقَالُوا: لَعَلَّ بِهِ برصًا أَو جذامًا.
إِلَى أَن بلغت النّوبَة إِلَيّ، فدعوته، ودعوت الْحَاشِيَة، وَجَلَسْنَا نَأْكُل، وَهُوَ يَأْكُل مَعنا على هَذِه الصُّورَة، فَسَأَلته إِخْرَاج يَده والانبساط فِي الْأكل، فَامْتنعَ عَن إِخْرَاج يَده.
فَقلت لَهُ: يلحقك تنغيص بِالْأَكْلِ هَكَذَا، فأخرجها على أَي شَيْء كَانَ بهَا، فَإنَّا نرضى بِهِ.
قَالَ: فكشفها، فَإِذا فِيهَا وَفِي ذراعه أَكثر من خمسين ضَرْبَة، بَعْضهَا مندمل، وَبَعضهَا فِيهِ بَقِيَّة، وَعَلَيْهَا أدوية، وَهِي على أقبح منظر.
فَأكل مَعنا غير محتشم، وَقدم الشَّرَاب فشربنا، فَلَمَّا أَخذ مِنْهُ الشَّرَاب، سألناه عَن سَبَب تِلْكَ الضربات.
فَقَالَ: هُوَ أَمر طريف أَخَاف أَن لَا أصدق فِيهِ.
فَقلت: لَا بُد أَن تتفضل بذلك.
فَقَالَ: كنت عَام أول قَائِما بِحَضْرَة الْوَزير، فَسلم إِلَيّ كتابا إِلَى عَامل دمشق، ومنشورًا، وَأَمرَنِي بالشخوص إِلَيْهِ، وإرهاقه بالمطالبة بِحمْل الْأَمْوَال، ورسم لي أَن أخرج على طَرِيق السماوة لأتعجل، وَكتب إِلَى عَامل هيت بإنفاذي مَعَ خفارة.
فَلَمَّا حصلت بهيت، استدعى الْعَامِل جمَاعَة من عدَّة من أَحيَاء الْعَرَب،
وسلمني إِلَيْهِم، وَأَعْطَاهُمْ مَالا على ذَلِك، وَأشْهد عَلَيْهِم بتسلمي، واحتاط فِي أَمْرِي.
وَكَانَت هُنَاكَ قافلة تُرِيدُ الْخُرُوج مُنْذُ مُدَّة، وتتوقى الْبَريَّة، فأنسوا بِي، وسألوني أَن آخذ مِنْهُم لنَفْسي مَالا، وللخفراء الْأَعْرَاب مَالا، وأدخلهم فِي الخفارة، ويسيرون معي، فَفعلت ذَلِك، فصرنا قافلة عَظِيمَة.
وَكَانَ معي من غلماني مِمَّن يحمل السِّلَاح نَحْو عشْرين غُلَاما، وَفِي حمالي الْقَافِلَة والتجار جمَاعَة يحملون السِّلَاح أَيْضا.
فرحلنا عَن هيت، وسرنا فِي الْبَريَّة ثَلَاثَة أَيَّام بليالها، فَبينا نَحن نسير إِذْ لاحت لنا خيل.
فَقلت للأعراب: مَا هَذِه الْخَيل؟ فَمضى مِنْهُم قوم إِلَيْهِم ثمَّ عَادوا كالمنهزمين.
فَقَالُوا: هَؤُلَاءِ قوم من بني فلَان بَيْننَا وَبينهمْ شَرّ وقتال، وَنحن طلبتهم، وَلَا ثبات لنا مَعَهم، وَلَا يمكننا خفارتكم مَعَهم، وركضوا منصرفين، وَبَقينَا متحيرين، فَلم أَشك أَنهم كَانُوا من أهلهم، وَأَنَّهُمْ فعلوا ذَلِك بمواطأة علينا.
فَجمعت الْقَافِلَة، وشجعت أَهلهَا وغلماني، وضممت بَعْضهَا إِلَى بعض، وأمرتهم بِحمْل السِّلَاح، وَلأمة الْحَرْب، فصرنا حول الْقَافِلَة من خَارِجهَا متساندين إِلَيْهَا كالدائرة.
وَقلت لمن معي: لَو كَانَ هَؤُلَاءِ يَأْخُذُونَ أَمْوَالنَا وَيدعونَ جمالنا لننجو عَلَيْهَا كَانَ هَذَا أسهل، وَلَكِن الْجمال وَالدَّوَاب أول مَا تُؤْخَذ، ونتلف نَحن فِي الْبَريَّة ضَيْعَة وعطشًا، فاعملوا على أَن نُقَاتِل، فَإِن هزمناهم سلمنَا، وَإِن قتلنَا كَانَ أسهل من الْمَوْت بالعطش.
فَقَالُوا: نَفْعل.
وغشينا الْقَوْم، فقاتلناهم من انتصاف النَّهَار إِلَى أَن حجز اللَّيْل بَيْننَا، وَلم يقدروا علينا، وقتلنا عدَّة خيل، وجرحنا مِنْهُم جمَاعَة، وَمَا ظفروا منا بِعَوْرَة، وَبَاتُوا بِالْقربِ منا حنقين علينا.
وتفرق النَّاس للْأَكْل وَالصَّلَاة، وَاجْتَهَدت بهم أَن يجتمعوا، ويبيتوا تَحت السِّلَاح، فخالفوني، وَكَانُوا قد كلوا وتعبوا، ونام أَكْثَرهم.
فغشيتنا الْخَيل، فَلم يكن عندنَا امْتنَاع، فوضعوا فِينَا السيوف، وَكنت أَنا الْمَطْلُوب خَاصَّة، لما شاهدوه من تدبيري الْقَوْم برأيي، وَعَلمُوا أَنِّي رَئِيس الْقَافِلَة، فقطعوني بِالسُّيُوفِ، ولحقتني هَذِه الْجِرَاحَات كلهَا، وَفِي بدني أضعافها.
قَالَ: وَقد كشف لنا عَن أَكثر جسده، فَإِذا بِهِ أَمر عَظِيم هالنا، وَلم نره فِي بشر قطّ.
قَالَ: وَكَانَ فِي أَجلي تَأْخِير، فرميت نَفسِي بَين الْقَتْلَى، لَا أَشك فِي تلفي، وَسَاقُوا الْجمال والأمتعة وَالْأسَارَى.
فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة، أَفَقْت، فَوجدت فِي نَفسِي قُوَّة، والعطش قد اشْتَدَّ بِي، فَلم أزل أتحامل، حَتَّى قُمْت أطلب فِي الْقَافِلَة سطيحة قد أفلتت، أشْرب مِنْهَا، فَلم أجد شَيْئا.
وَرَأَيْت الْقَتْلَى والمجروحين الَّذين هم فِي آخر رَمق، وَسمعت من أنينهم مَا أَضْعَف نَفسِي، وأيقنت بالتلف.
وَقلت: غَايَة مَا أعيش إِلَى أَن تطلع الشَّمْس.
فتحاملت أطلب شَجَرَة أَو محملًا قد أفلت، لأجعله ظلًا لي من الشَّمْس إِذا طلعت.
فَإِذا أَنا قد عثرت بِشَيْء لَا أَدْرِي مَا هُوَ، فِي الظلمَة، فَإِذا أَنا منبطح عَلَيْهِ بطولي وَطوله.
فثار من تحتي، وعانقته، وَقدرته رجلا من الْأَعْرَاب، فَإِذا هُوَ أَسد.
فحين علمت ذَلِك طَار عَقْلِي، وَقلت: إِن استرخيت افترمني، فعانقت
رقبته بيَدي، ونمت على ظَهره، وألصقت بَطْني بظهره، وَجعلت رجْلي تَحت مخصاه وَكَانَت دمائي تجْرِي، فحين داخلني ذَلِك الْفَزع الْعَظِيم رقأ الدَّم، وعلق شعر الْأسد بأفواه أَكثر الْجِرَاحَات، فَصَارَ سدادًا لَهَا، وعونًا على انْقِطَاع الدَّم، لِأَنِّي حصلت كالملتصق عَلَيْهِ.
وَورد على الْأسد مني، أطرف مِمَّا ورد عَليّ مِنْهُ وَأعظم، وَأَقْبل يجْرِي تحتي كَمَا تجْرِي الْفرس تَحت الرَّاكِب الْقوي، وَأَنا أحس بروحي تخرج، وأعضائي تتقصف من شدَّة جريه، وَلم أَشك أَنه يقْصد أجمة بِالْقربِ فيلقيني إِلَى لبوته فتفترسني.
فَجعلت أضبط نَفسِي مَعَ ذَلِك وأؤمل الْفرج، وأدافع الْمَوْت عَاجلا، وَكلما هم أَن يربض ركضت خصاه برجلي فيطير، وَأَنا أعجب من نَفسِي ومطيتي، وأدعو الله ﷿، وَأَرْجُو الْحَيَاة مرّة، وَمرَّة آيس من نَفسِي.
إِلَى أَن ضَرَبَنِي نسيم السحر، فَقَوِيت نَفسِي، وَأَقْبل الْفجْر يضيء، فتذكرت طُلُوع الشَّمْس فَجَزِعت، ودعوت الله تَعَالَى، وتضرعت إِلَيْهِ.
فَمَا كَانَ بأسرع من أَن سَمِعت صَوتا ضَعِيفا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، ثمَّ قوي، فشبهته بِصَوْت ناعورة، والأسد يجْرِي، وَقَوي الصَّوْت، فَلم أَشك فِي أَنه ناعورة.
ثمَّ صعد الْأسد إِلَى تل، فَرَأَيْت مِنْهُ بَيَاض مَاء الْفُرَات وَهُوَ جَار، وناعورة تَدور، والأسد يمشي على شاطئ الْفُرَات بِرِفْق، إِلَى أَن وجد مشرعة، فَنزل مِنْهَا إِلَى المَاء، وَأَقْبل يسبح ليبعد.
فَقلت لنَفْسي: مَا قعودي، لَئِن لم أتخلص هُنَا، لَا تخلصت أبدا.
فَمَا زلت أرْفق بِهِ، حَتَّى تخلصت، وَسَقَطت عَنهُ، وسبحت منحدرًا، وَأَقْبل هُوَ يشق المَاء عرضا.
فَمَا سبحت إِلَّا قَلِيلا، حَتَّى وَقعت عَيْني على جَزِيرَة، فقصدتها، وحصلت فِيهَا، وَقد بطلت قوتي، وَذهب عَقْلِي، فطرحت نَفسِي عَلَيْهَا كالتالف.
فَلم أحس إِلَّا بَحر الشَّمْس قد أنبهني، فَرَجَعت أطلب شَجَرَة رَأَيْتهَا فِي الجزيرة، لأستظل بهَا من الشَّمْس، فَرَأَيْت الْأسد مقعيًا على شاطئ الْفُرَات حِيَال الجزيرة، فَقل فزعي مِنْهُ.
وأقمت مستظلًا بِالشَّجَرَةِ، أشْرب من ذَلِك المَاء، إِلَى الْعَصْر، فَإِذا أَنا بزورق منحدر، فَصحت بهم، فوقفوا فِي وسط المَاء.
فَقلت: يَا قوم، احْمِلُونِي مَعكُمْ، وارحموني.
فَقَالُوا: أَنْت دسيس اللُّصُوص.
فأريتهم جراحاتي، وَحلفت لَهُم أَنه مَا فِي الجزيرة بعلمي أحد سواي، وأومأت لَهُم إِلَى الْأسد، وَقلت لَهُم: قصتي طريفة، وَإِن تجاوزتموني كُنْتُم أَنْتُم قد قتلتموني، فَالله، الله، فِي أَمْرِي، فوقفوا، فَأتوا، فحملوني.
فَلَمَّا حصلت فِي الزورق، ذهب عَقْلِي، فَمَا أَفَقْت إِلَّا فِي الْيَوْم الثَّانِي، فَإِذا عَليّ ثِيَاب نظاف، وَقد غسلت جراحاتي، وَجعل فِيهَا الزَّيْت والأدوية، وَأَنا بِصُورَة الْأَحْيَاء.
فَسَأَلَنِي أهل الزورق عَن حَالي، فحدثتهم.
وبلغنا إِلَى هيت، فأنفذت إِلَى الْعَامِل من عرفه خبري، فَجَاءَنِي من حَملَنِي إِلَيْهِ.
وَقَالَ: مَا ظَنَنْت أَنَّك أفلت، فَالْحَمْد لله على السَّلامَة.
وَقَالَ لي: كَيفَ هَذَا الَّذِي جرى لَك؟ فَحَدَّثته الحَدِيث من أَوله إِلَى آخِره، فتعجب عجبا شَدِيدا، وَقَالَ: بَين الْموضع الَّذِي قطع علكيم الطَّرِيق، وَبَين الْموضع الَّذِي حملك أهل الزورق مِنْهُ
مَسَافَة أَرْبَعِينَ فرسخًا على غير محجة.
فأقمت عِنْده أَيَّامًا، ثمَّ أَعْطَانِي نَفَقَة، وثيابًا، وزورقًا، فَجئْت إِلَى بَغْدَاد، فَمَكثت أعالج جراحاتي عشرَة أشهر حَتَّى صرت هَكَذَا.
ثمَّ خرجت وَقد افْتَقَرت، وأنفقت جَمِيع مَا كَانَ فِي بَيْتِي، فَلَمَّا قُمْت بَين يَدي الْوَزير، رق لي، وَأطلق لي مَالا، وأخرجني إِلَيْكُم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع