من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
قتل فيلًا بِالْقَبْضِ على خرطومه
حَدثنِي القَاضِي أَبُو بكر أَحْمد بن سيار، قَالَ: حَدثنِي شيخ من أهل التيز ومكران رَأَيْته بعمان، ووجدتهم يذكرُونَ ثقته، ومعرفته بالبحر، وَأَنه دخل الْهِنْد والصين، قَالَ: كنت بِبَعْض بِلَاد الْهِنْد، وَقد خرج على ملكهَا خارجي، فأنفذ إِلَيْهِ الجيوش، فَطلب الْأمان فَأَمنهُ.
فَسَار ليدْخل إِلَى بلد الْملك، فَلَمَّا قرب، أخرج الْملك جَيْشًا لتلقيه، وَخرجت الْعَامَّة تنظر دُخُوله، فَخرجت مَعَهم.
فَلَمَّا بَعدنَا فِي الصَّحرَاء، وقف النَّاس ينتظرون طُلُوع الرجل، وَهُوَ راجل، فِي عدَّة من رِجَاله، وَعَلِيهِ ثوب حَرِير ومئزر، وَفِي وَسطه مدية معوجة الرَّأْس، وَهِي من سلَاح الْهِنْد، وَتسَمى عِنْدهم: حزى.
فتلقوه بالإكرام وَمَشوا مَعَه، حَتَّى انْتهى إِلَى فيلة عَظِيمَة قد أخرجت للزِّينَة وَعَلَيْهَا الفيالون، وفيهَا فيل عَظِيم يختصه الْملك لنَفسِهِ، ويركبه فِي بعض الْأَوْقَات.
فَقَالَ لَهُ الفيال، لما قرب مِنْهُ: تَنَح عَن طَرِيق فيل الْملك، فَسكت عَنهُ، فَأَعَادَ الفيال عَلَيْهِ القَوْل، فَسكت.
فَقَالَ: يَا هَذَا، احذر على نَفسك، وتنح عَن طَرِيق فيل الْملك.
فَقَالَ لَهُ الْخَارِجِي: قل لفيل الْملك يتَنَحَّى عَن طريقي.
فَغَضب الفيال، وأغرى الْفِيل بِكَلَام كَلمه بِهِ، فَغَضب الْفِيل، وَعمد إِلَى الْخَارِجِي فلف خرطومه عَلَيْهِ، فَقبض الْخَارِجِي بِيَدِهِ على الخرطوم.
وشاله الْفِيل إشالة عَظِيمَة وَالنَّاس يرَوْنَ، وَأَنا فيهم، وخبط بِهِ الأَرْض، فَإِذا بِهِ قد انتصب قَائِما على قَدَمَيْهِ فَوق الأَرْض وَلم ينح يَده عَن الخرطوم.
فَزَاد غضب الْفِيل، فأشاله أعظم من تِلْكَ وَعدا ثمَّ رمى بِهِ الأَرْض، فَإِذا هُوَ قد حصل عَلَيْهَا مستويًا على قَدَمَيْهِ منتصبًا قَابِضا على الخرطوم.
وَسقط الْفِيل كالجبل الْعَظِيم مَيتا، لِأَن قَبضه على الخرطوم تِلْكَ الْمدَّة مَنعه من التنفس فَقتله.
قَالَ: فَوكل بِهِ، وَحمل إِلَى الْملك، وَحدث بالصورة، فَأمر بقتْله.
فَاجْتمع القحاب، وَهن النِّسَاء الفواجر، يفعلن ذَلِك بِالْهِنْدِ ظَاهرا عِنْد البد، تقربًا إِلَى الله بذلك عِنْدهم.
قَالَ: وَهن الْعُدُول هُنَاكَ، يشهدن فِي الْحُقُوق، ويقمن الشَّهَادَة، فَيقطع بهَا حاكمهم فِي سَائِر الْأُمُور، وَعِنْدهم إنَّهُنَّ لما كن يبذلن أَنْفسهنَّ عِنْد البد بِغَيْر أجر، صرن فِي حكم الزهاد والعباد.
فَقَالَ القحاب للْملك: يجب أَن تستبقي مثل هَذَا الرجل فَلَا يقتل، فَإِن فِيهِ جمالًا للْملك، وَيُقَال: إِن للْملك خَادِمًا قتل الْفِيل الْعَظِيم بقوته وحيلته، من غير سلَاح.
فَعَفَا عَنهُ الْملك، وخلع عَلَيْهِ، واستخدمه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع