تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

قتلوا شبلا فَاجْتمع عَلَيْهِم بضعَة عشر سبعا

وَحدث سعيد بن يُوسُف بن عبد الله السَّمرقَنْدِي الْحَنَفِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن جَعْفَر الْوَكِيل على أَبْوَاب الْقُضَاة بالأهواز، قَالَا: حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن سهل الشَّاهِد الوَاسِطِيّ القَاضِي، قَالَ: أَخْبرنِي وكيلان كَانَا فِي ضيعتي بنواحي الجامدة، ونهر جَعْفَر، قَالَا: خرجنَا مَعَ صناع عندنَا، إِلَى أجمة نقطع قصبًا، فَرَأَيْنَا شبلًا كالسنور، فَقتله أحد قطاع الْقصب.

فَقَالَ الْبَاقُونَ: قتلنَا، السَّاعَة يَجِيء السَّبع واللبوة، فَإِذا لم يرياه طلبانا، وَنحن نبيت فِي الصَّحرَاء بَين الْقصب، فيفرسانا.

قَالَ: فَمَا كَانَ بأسرع من أَن سمعنَا صَوت السَّبع، فطرنا على وُجُوهنَا، واجتمعنا فِي دَار خراب خَارج الأجمة، وعلونا سطحها، وَكَانَ فِيهَا غرفَة عَلَيْهَا بَاب كُنَّا نأوي إِلَيْهَا لَيْلًا.

فَلَمَّا رأى السَّبع وَلَده قَتِيلا قصدنا فَصَارَ فِي صحن الدَّار الخراب، وَكَانَ بَين يَدي الغرفة صحنين، فَأخذ السَّبع يطفر ليصير مَعنا، فَمَا قدر على ذَلِك.

فولى، وَعلا أكمة فِي الصَّحرَاء، وَصَاح، فَجَاءَتْهُ اللبوة، فطفرت تُرِيدنَا، فَمَا قدرت.

فاجتمعا، فصاحا، فجاءهما عدَّة من السبَاع، وطفروا، فَمَا قدرُوا علينا، فَلم يزَالُوا كَذَلِك حَتَّى اجْتمع بضعَة عشر سبعا، وَكلما جَاءَ وَاحِد حاول أَن يطفر إِلَيْنَا فَلَا يبلغنَا، وَنحن كالموتى خوفًا أَن يصل إِلَيْنَا وَاحِد مِنْهُم.

فينما نَحن كَذَلِك إِذْ اجْتمعت السبَاع كلهَا كالحلقة، وَجعلت أفواهها فِي الأَرْض، وصاحت صَيْحَة وَاحِدَة، فَرَأَيْنَا حُفْرَة قد احتفرت فِي التُّرَاب من أنفاسها.

فَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَة حَتَّى جَاءَ سبع أسود هزيل، منجرد الشّعْر، لطيف.

فَلَقِيته السبَاع كلهَا، وبصبصت بَين يَدَيْهِ، وَحَوله، وَجَاء يقدمهَا وَهِي خَلفه حَتَّى رآنا فِي الغرفة، وَرَأى الْموضع، ثمَّ جمع نَفسه، فَإِذا هُوَ فِي الصحن، بَين يَدي الغرفة.

وَكُنَّا قد أغلقنا الْبَاب، فَاجْتَمَعْنَا كلنا خَلفه لندافعه عَن الدُّخُول.

فَلم يزل يدْفع الْبَاب بمؤخره حَتَّى كسر بعض ألواحه وَأدْخل عَجزه إِلَيْنَا.

فَعمد أَحَدنَا إِلَى ذَنبه فَقَطعه بمنجل كَانَ مَعنا.

فصاح صَيْحَة مُنكرَة وهرب، وَرمى بِنَفسِهِ إِلَى الأَرْض، فَلم يزل يخمش السبَاع وينهشها ويقطعها بمخالبه، حَتَّى قتل مِنْهَا غير وَاحِد.

وتهاربت السبَاع الْبَاقِيَة من بَين يَدَيْهِ، وهام فِي الصَّحرَاء يتبع أَثَرهَا، ونزلنا نَحن لما لم يبْق مِنْهَا شَيْء، فلحقنا بالقرية، وخبرناهم خبرنَا.

فَقَالَ لنا شيخ مِنْهُم: هَذَا السَّبع مثل الجرذ الْعَتِيق، إِذا قطع ذَنبه أكل الفار.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب التَّاسِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.