من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
نجا من الْأسد وافترس مَمْلُوكه
وَبَلغنِي عَن رجل من أهل الأنبار، قَالَ: خرجت إِلَى ضَيْعَة لي فِي ظَاهر الأنبار، رَاكِبًا دَابَّة لي، وَمَعِي مَمْلُوك لي أسود فِي نِهَايَة الشجَاعَة.
فَلَمَّا صرنا فِي بعض الطَّرِيق، بِالْقربِ من الْموضع الَّذِي أَنا طَالبه، إِذْ نشأت سَحَابَة، فأمطرت، وَكَانَ الْمسَاء قد أدركنا، فملنا إِلَى قباب كَانَت فِي الطَّرِيق للسابلة، فلجأنا إِلَيْهَا، فقوي الْمَطَر حَتَّى منعنَا من الْحَرَكَة، فَأَشَارَ الْغُلَام عَليّ بالمبيت.
فَقلت لَهُ: نَخَاف اللُّصُوص وَيلك.
فَقَالَ لي: تخَاف وَأَنا مَعَك؟ قلت: فالسبع؟ قَالَ: نصير الدَّابَّة دَاخل الْقبَّة، وَأَنت تَلِيهَا، وَأَنا عِنْد الْبَاب، وَأَشد وسطي بالحبل الَّذِي مَعنا، وَأَشد طرفه برجلك، حَتَّى لَا يأخذني النّوم، فَإِن جَاءَ الْأسد، أَخَذَنِي دُونك.
وَمَا زَالَ يحسن لي ذَلِك الرَّأْي حَتَّى أطعته، وملنا إِلَى إِحْدَى القباب، ودخلناها، وَفعل مَا قَالَ.
فوَاللَّه مَا مَضَت قِطْعَة من اللَّيْل، حَتَّى جَاءَ الْأسد، فَأخذ الْأسود فدقه، واحتمله، وجر رجْلي المشدودة مَعَه فِي الْحَبل.
فَلم يزل يجرني على الشوك وَالْحِجَارَة، إِلَى أَن صَار بِي إِلَى أجمته، وَأَنا لَا أَعقل شَيْئا من أَمْرِي، وَلَا أحس بِأَكْثَرَ مَا يجْرِي، وَلَا تَمْيِيز لي يُؤَدِّي بِي إِلَى الِاجْتِهَاد فِي حل الْحَبل من رجْلي.
ثمَّ رمى بالأسود، وربض عَلَيْهِ، وَمَا زَالَ يَأْكُل مِنْهُ، حَتَّى شبع، وَترك مَا فضل مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي من حس الْحَيَاة غير النّظر فَقَط، ثمَّ مضى، فَنَامَ بِالْقربِ من مَكَاننَا.
وَبقيت زَمَانا على تِلْكَ الْحَال، ثمَّ سكن روعي، وَرجعت إِلَيّ نَفسِي، لطول مكث الْأسد فِي نَومه، فحللت رجْلي من الْحَبل، وَقمت أدب، فَعَثَرَتْ بِشَيْء لَا أَدْرِي مَا هُوَ، فَأَخَذته، فَإِذا هميان ثقيل، فشددته على وسطي، وَخرجت من الأجمة، وَقد قَارب الصُّبْح أَن يسفر.
وصرت إِلَى الْقبَّة الَّتِي فِيهَا دَابَّتي، فَإِذا هِيَ واقفة بِحَالِهَا، فأخرجتها، وركبتها، وانصرفت إِلَى منزلي، وَفتحت الْهِمْيَان، فَوجدت فِيهِ جملَة دَنَانِير.
فحمدت الله تَعَالَى على السَّلامَة وَبَقِي الرعب فِي قلبِي، والتألم فِي بدني، مُدَّة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع