من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
أَخذه الْأسد فِي الْمَكَان الَّذِي أَخذ فِيهِ أَبَاهُ
بَلغنِي عَن أبي عَليّ مُحَمَّد بن عَليّ بن مقلة الْكَاتِب، قَالَ: كنت عِنْد أبي عَليّ الْعلوِي بِالْكُوفَةِ، إِذْ دخل عَلَيْهِ غُلَام لَهُ، فَقَالَ: يَا مولَايَ، أَخذ الْأسد فلَانا وكيلك.
فانزعج، وَقَالَ: أَيْن أَخذه؟ فَقَالَ: فِي مَوضِع كَذَا وَكَذَا، وَأدْخلهُ الأجمة الْفُلَانِيَّة.
فَقَالَ أَبُو عَليّ: لَا إِلَه إِلَّا الله، فِي هَذَا الْيَوْم بِعَيْنِه، أَخذ الْأسد أَبَاهُ، وَأدْخلهُ هَذِه الأجمة بِعَينهَا، مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سنة، واغتم، فسليناه، فَعَاد إِلَى شَأْنه فِي المحادثة.
فَأَنا قَاعد عِنْده أحدثه، إِذْ دخل عَلَيْهِ غلمانه مبادرين، فَقَالُوا: قد وافى فلَان، يعنون ذَلِك الْوَكِيل، فَأذن لَهُ، فَدخل.
فَرَحَّبَ بِهِ أَبُو عَليّ، وَسَأَلَهُ عَن خَبره، فَقَالَ: نعم، أَخَذَنِي الْأسد، كَمَا شاهدوني، وَكنت رَاكِبًا، فَحَمَلَنِي بِفِيهِ، كَمَا تحمل السنور بعض أَوْلَادهَا، إِلَّا أَنه مَا كلمني، وأدخلني الأجمة، وَقد زَالَ عَقْلِي.
وَلم أعلم من أَمْرِي شَيْئا، إِلَّا أنني أَفَقْت فَلم أره، وَوجدت أعضائي سَالِمَة، وَوجدت حَولي من الجماجم وَالْعِظَام أمرا عَظِيما، فَلم يزل عَقْلِي وقوتي يثوبان إِلَيّ إِلَى أَن قُمْت، ومشيت.
فَعَثَرَتْ بِشَيْء تأملته، فَإِذا هُوَ هميان، فَأَخَذته، وشددت بِهِ وسطي، ومشيت إِلَى أَن بَعدت عَن الْموضع، فوصلت إِلَى شَبيه بوهدة، فَجَلَست فِيهَا، وغطيت نَفسِي بِمَا أمكنني من الْقصب بَقِيَّة لَيْلَتي.
فَلَمَّا طلعت الشَّمْس أحسست بِكَلَام المجتازين، وحوافر بغالهم، فَخرجت وعرفتهم قصتي، وَركبت بغل أحدهم.
فَلَمَّا بَعدت عَن الأجمة، وَأمنت على نَفسِي، فتحت الْهِمْيَان، فَإِذا فِيهِ رقْعَة بِخَط أبي، بِأَصْل مَا كَانَ فِي الْهِمْيَان من الدَّنَانِير، وَبِمَا أنفقهُ، فَإِذا هُوَ هميان أبي الَّذِي كَانَ فِي وَسطه لما افترسه السَّبع.
فحسبت المصروف، ووزنت الْبَاقِي، فَإِذا هِيَ بِإِزَاءِ مَا بَقِي من الأَصْل، مَا نقصت شَيْئا.
قَالَ: وَأخرج الْهِمْيَان، وفتحه، وَأخرج الرقعة، فَقَالَ أَبُو عَليّ: نعم، هَذَا خطّ أَبِيك.
وَعَجِبت الْجَمَاعَة من ذَلِك.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع