من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
ألْقى نَفسه على نَبَات البردي فَوَقع على أَسد
وَحدث سعد بن مُحَمَّد، الوحيد أَيْضا، قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن عَليّ الْأنْصَارِيّ الْمُقْرِئ بالرملة، وَكَانَ فَارِسًا فاتكًا شجاعًا جلدا، قَالَ: خرجت فِي قافلة من الرملة، صَاحبهَا ابْن الْحداد، وَأَنا على مهر لي، وَعلي سلاحي.
فَبَلغنَا فِي لَيْلَة مظْلمَة إِلَى وَادي غارا، وَهُوَ وَاد عميق جدا، عمقه نَحْو فَرسَخ، فِي بَطْنه مَاء يجْرِي، وَعَلِيهِ شجر كثير، وَهُوَ مَشْهُور بالسباع، وَالطَّرِيق على جنبة من جنباته فِي مضيق.
فازدحمت الْقَافِلَة، فَسقط جمل عَلَيْهِ حمل بز، فَرَأَيْت صَاحبه يلطم ويبكي، وَكَانَ مُوسِرًا.
فَدَعَاهُ ابْن الْحداد، وَقَالَ لَهُ: أَنْت رجل مُوسر، فَمَا هَذَا الْجزع؟ فَقَالَ لَهُ: فِي الْحمل الْبَز الَّذِي سقط، عشرَة آلَاف دِينَار عينا.
فحط ابْن الْحداد الْقَافِلَة، ونادى: من ينزل الْوَادي، ويتخلص لنا الْحمل أَو المَال الَّذِي فِيهِ، وَله ألف دِينَار، فَلم يَجْسُر أحد على ذَلِك.
فَلَمَّا كرر النداء جِئْته، وَقلت: تعجل لي الدَّنَانِير.
فَقَالَ: لَا، وَلَكِن أكتب لَك بهَا السَّاعَة كتابا، وَأشْهد من فِي الْقَافِلَة،
فَإِذا صَار الْجمل وَحمله مَعَ مَا فِيهِ من المَال عِنْدِي، فَالْمَال لَك.
فكتبنا كتابا بذلك، وأشهدنا عَلَيْهِ، وأعطيتهم دَابَّتي ورحلي، ثمَّ أخذت سَيْفا، وجحفةً، وشمعةً مشتعلة، ورمت النُّزُول إِلَى الْوَادي.
فَرَأَيْت منزلا غرني، فاستعجلت سلوكه، فَنزلت سَاعَة، حَتَّى صرت على جَانب من الْوَادي مشجر، فَإِذا فِيهِ أثر الرُّعَاة وَالْغنم، ثمَّ لم أجد طَرِيقا إِلَى أَسْفَل، وَكَانَ سبيلي أَن أرجع، وأرتاد النُّزُول من جِهَة أُخْرَى.
فَحَمَلَنِي ضيق الْوَقْت، والحرص على الدَّنَانِير، أَن جعلت أتوغل، وَأَنْتَقِلَ من شَجَرَة إِلَى شَجَرَة، وَمن حجر إِلَى حجر، حَتَّى حصلت فِي جنب الْوَادي على صَخْرَة ملساء بارزة كالرف، لَيْسَ لَهَا إِلَى أَسْفَل طَرِيق أَلْبَتَّة.
فاطلعت بالشمعة، فَإِذا بيني وَبَين الْقَرار عشرُون ذِرَاعا، وَفِي أَسْفَل الْوَادي بردي كثيف يجْرِي بَينه المَاء، وَله خرير شَدِيد.
فأجمعت على أَن ألقِي نَفسِي، فأطفأت الشمعة، وشددتها بحمائل السَّيْف مَعَ الْجحْفَة، وألقيت ذَلِك فِي مَوضِع عَلمته عَن يَمِيني، ثمَّ جمعت نَفسِي فَوَثَبت فِي وسط البردي.
فَوَقَعت على شَيْء ثار من تحتي ونفضني، وَصَاح صَيْحَة عَظِيمَة مَلأ بهَا الْوَادي، وَإِذا هُوَ أَسد، فشق البردي وسعى هَارِبا، فَوقف بإزائي من جَانب الْوَادي الآخر.
فطلبت سَيفي وجحفتي حَتَّى أخذتهما، ووقفت أنْتَظر أَن يمْضِي الأدس فأطلب الْجمل، فَأقبل يُرِيدنِي.
فمشيت بَين يَدَيْهِ فِي البردي، وَهُوَ فِي أثري يَخُوض المَاء، ويشق البردي، وَأَنا أخاتله من مَوضِع إِلَى مَوضِع.
وطلع الْقَمَر، فَأَبْصَرت بِنَاء خفِيا، فقصدته، فَإِذا هُوَ بَيت رحى يديرها المَاء، فَدخلت فِيهِ.
ثمَّ فَكرت، فَقلت: هُنَا مألف الْأسد، والساعة يجيئني، فَجئْت إِلَى شَجَرَة كَبِيرَة، فقطعتها بِالسَّيْفِ من نصف سَاقهَا، وجررتها من ورائي، وجذبت سَاقهَا، وَدخلت إِلَى بَيت الرَّحَى، فَامْتَلَأَ الْبَاب بهَا، وفضلت عَنهُ بِشَيْء كثير، وَجَلَست، وسَاق الشَّجَرَة فِي يَدي.
فَمَا كَانَ إِلَّا مِقْدَار جلوسي، حَتَّى أحسست بالأسد يزحم الشَّجَرَة يُرِيد الدُّخُول إِلَيّ.
قَالَ: فاستندت إِلَى الْحَائِط، وَأَمْسَكت سَاق الشَّجَرَة أدافعه بهَا، حَتَّى ملني ومللته، ثمَّ ربض بِإِزَاءِ الْبَاب إِلَى أَن أَسْفر الصُّبْح، فَلَمَّا كَادَت أَن تطلع الشَّمْس مضى.
فأقمت إِلَى أَن انبسطت الشَّمْس، حَتَّى أمنته، ثمَّ خرجت، فَمَا زلت أطلب أثر الْجمل حَتَّى انْتَهَيْت إِلَيْهِ، فَإِذا هُوَ قد تقطع من أثر السقطة، والعدلان مطروحان، وَكَانُوا أمروني بفتقهما، واستخراج المَال، وَحمله، إِن لم أقدر على تَخْلِيص الْجمل وَحمل العدلين، فَفعلت ذَلِك.
وحملت المَال على ظَهْري، وَطلبت المصعد، وَقد علا الضُّحَى، فَصَعدت فِيهِ.
فَلَمَّا حصلت بِرَأْس الْوَادي، إِذا ببادية مجتازين، فقصدوني، فمانعتهم بِالسَّيْفِ عَن نَفسِي، فَلم أطقهم، وضربوني بِالسُّيُوفِ.
فَقلت لشيخ رَأَيْته كالرئيس لَهُم: لي الذمام على مَا معي حَتَّى أصدقك، وأنفعك نفعا كثيرا.
فَقَالَ: أصدقني، وَلَك الذمام.
فَحَدَّثته بِالْحَدِيثِ، فَأخذُوا المَال، وَسَارُوا بِي مَعَهم، حَتَّى وقفُوا على العدلين، فاحتملوهما.
وَضرب الشَّيْخ بِيَدِهِ فِي المَال، فَحَثَا مِنْهُ ثَلَاث حثيات فَقلت: هَذَا لَا يَنْفَعنِي إِن لم تبلغني مأمني.
فَأَنَاخَ جملا فَحَمَلَنِي عَلَيْهِ، وَسَار بِي سيرًا حثيثًا، حَتَّى أَرَانِي الْقَافِلَة على بعد، ثمَّ أنزلني، وَقَالَ: الْحق برفقتك، فَمَا عَلَيْك من أحد بَأْس.
فمشيت حَتَّى لحقت الْقَافِلَة، وَقد خبأت تِلْكَ الدَّنَانِير فِي سراويلي، فعرفتهم أَن المَال أَخَذته الْبَادِيَة، وكتمت مَا أعطوني، وأريتهم آثَار الضَّرْب، فصدقوني، وَلم يفتشوني.
فركبت دَابَّتي وسرت مَعَهم، فَدَخَلْنَا طبرية، فشكوا إِلَى أميرها أبي عُثْمَان بن عقيل، فَأسْرى إِلَى الْأَعْرَاب، فارتجع مِنْهُم أَكثر المَال، ورده إِلَى صَاحبه.
وَكنت أَنا، لما دَخَلنَا طبرية، فَارَقْتهمْ، وَدخلت إِلَى دمشق، ثمَّ لحقوني بهَا.
وَبَلغنِي مَا رد عَلَيْهِم، فَقلت لصَاحب المَال: قد بذلت مهجتي، وأفلت من الْأسد، وَالْمَوْت، مرَارًا، وَمن الْأَعْرَاب، حَتَّى وصل إِلَيْك بعض مَالك، فَلَا أقل من أَن توصل إِلَيّ بعض مَا وَعَدتنِي، فَأَعْطَانِي مِائَتي دِينَار.
فأضفتها إِلَى مَا أعطانيه الْأَعْرَاب، فَإِذا الْجَمِيع سِتّمائَة دِينَار، مَعَ السَّلامَة من تِلْكَ الشدائد والأهوال.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع