تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

مفلوج لسعته عقرب جرارة فَعُوفِيَ

حَدثنِي عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّد بن مهْدي، الْمَعْرُوف بِأبي أَحْمد بن أبي سَلمَة، الشَّاهِد، الْفَقِيه، الْمُتَكَلّم العسكري، فِي سنة خمس وَخمسين وَثَلَاث مائَة بعسكر مكرم: إِنَّه شَاهد رجلا مفلوجًا، حمل من أَصْبَهَان، إِلَى عَسْكَر مكرم ليعالج، فَطرح على بَاب خَان فِي جواره، فِي الْجَانِب الشَّرْقِي مِنْهَا، وَقد هجر، وَفرغ، لِكَثْرَة العقارب الجرارات فِيهِ.

وَطلب لَهُ مَوضِع آخر يسكنهُ، فَلم يُوجد إِلَّا فِي هَذَا الخان، فأنزله غلمانه

فِيهِ، وهم لَا يعلمُونَ حَاله، وَأَنه أخلي لِكَثْرَة الجرارات فِيهِ.

وَصعد أَصْحَاب الرجل إِلَى السَّطْح لَيْلًا، وتركوه، لما وصف لَهُم أَن المفلوج لَا يجوز أَن يبيت فِي السَّطْح.

فَلَمَّا كَانَ من الْغَد وجدوه جَالِسا، وَكَانَ طريحًا ملقًى لَا يُمكنهُ أَن يَنْقَلِب من جنب إِلَى جنب، ووجدوا لِسَانه فصيحًا وَكَانَ متكسرًا بِالْعِلَّةِ، حَتَّى إِن الرجل مَشى فِي يَوْمه ذَلِك.

فأحضر بعض أهل الطِّبّ وَسَأَلَهُ عَن خَبره، ففتشه، فَوجدَ أثر لسع الجرارة فِي إِبْهَام رجله الْيُسْرَى.

فَقَالَ لَهُ: انْتقل السَّاعَة من هَذَا الخان، فَإِنَّهُ مَشْهُور بِكَثْرَة الجرارات، وَقد لسعتك وَاحِدَة مِنْهُنَّ فأبرأتك، وعشت بِشَيْء مَا عَاشَ أحد بِهِ قطّ، وَقَامَت حَرَارَتهَا بِبرد الفالج فأزالته، وَلم تتجاوزه فتقتلك، وسيعقب ذَلِك حِدة شَدِيدَة وحرارة، فاصبر لَهَا حَتَّى أعالجك باليسير من الرُّطُوبَة فَلَا ترجع إِلَيْك برودة الفالج، وانتقل لِئَلَّا تلسعك أُخْرَى فتتلف.

وانتقل الرجل، وتعاهده الطَّبِيب، فَحم المفلوج من غَد، وتلطف فِي علاجه حَتَّى برأَ.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب التَّاسِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.