تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

قضى لَيْلَة فِي الْجب بجوار أَفْعَى

وحَدثني عبيد الله بن مُحَمَّد الصروي، قَالَ: كنت أتصرف مَعَ الْمُخْتَار بن الْغَيْث بن حمدَان أحد قواد بني عقيل، فَسَار وَأَنا فِي جملَته، مَعَ تكين الشيرزادي، لما تغلب على الْموصل، يطْلب نَاصِر الدولة، وَسَار الْعَسْكَر سيرًا عجلًا، فتقطع النَّاس.

وَكَانَت تحتي حجرَة، فصرت فِي أخريات النَّاس، ثمَّ انْقَطَعت عَن الْعَسْكَر حَتَّى صرت وحدي.

ثمَّ أوردت الدَّابَّة مَاء كَانَ فِي الطَّرِيق، فَحم، وَلم يُمكنهُ أَن يسير خطْوَة وَاحِدَة.

فَخفت أَن يدركني من يسلبني نعمتي ويأسرني، فَنزلت عَن الدَّابَّة أَمْشِي، وَفِي عنقِي سيف بحمائل، والمقرعة فِي يَدي.

فسرت عدَّة فراسخ، حَتَّى صعدت جبل سنجار، وَكنت أحتاج أَن أَمْشِي فِيهِ نَحْو الفرسخ، ثمَّ أنزل إِلَى سنجار،

فجنني اللَّيْل، واستنفذ الْمَشْي جلدي، وَاسْتَوْحَشْت، وَخفت الوحوش فِي الْجَبَل، فطلبت موضعا أسكن فِيهِ لَيْلَتي، فَلم أجد.

وَرَأَيْت جِبَابًا كَثِيرَة منقورة فِي أَرض الْجَبَل، فطلبت أقربها قعرًا، ورميت فِيهِ حجرا، فَظَنَنْت أَن قَعْره قامة أَو نَحْوهَا، فرميت بنفسي فِيهِ.

وَكَانَ الْبرد شَدِيدا، فَنمت لَيْلَتي وَأَنا لَا أَعقل من التَّعَب والجوع.

فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، انْتَبَهت، وَعِنْدِي أَن الْجب محفور كالآبار، وَأَنِّي أَضَع رجْلي فِي جوانبه، فأتسلق وأطلع، فتأملته، فَإِذا هُوَ محفور كالتنور، رَأسه ضيق، وأسفله وَاسع شَدِيد السعَة، وجوانبه منقوشة، فَقُمْت فِي الْجب فَإِذا هُوَ أَعلَى من قامتي.

فتحيرت فِي أَمْرِي، فَلم أدر كَيفَ أعمل، وَكَيف السَّبِيل إِلَى الصعُود.

وطلعت الشَّمْس، وأضاء الْجب، فَإِذا فِيهِ أَفْعَى مدور كالطبق وَقد سدر من الْبرد، فَلَيْسَ ينتشر، وَلم يَتَحَرَّك من مَكَانَهُ، فتجنبت مَكَانَهُ.

وهممت أَن أجرد السَّيْف وأقطع الأفعى، ثمَّ قلت: أتعجل شرا لَا أَدْرِي عاقبته، وَلَا مَنْفَعَة لي فِي قَتله، لِأَنِّي سأتلف فِي هَذِه الْبِئْر، وَهِي قَبْرِي، فَمَا معنى قتل الأفعى؟ أَدَعهُ، فَلَعَلَّهُ أَن يَبْتَدِئ بالنهش، فأتعجل التّلف، وَلَا أرى نَفسِي تخرج بِالْجُوعِ والعطش.

فأقمت يومي كُله على ذَلِك، والأفعى لم تتحرك وَأَنا أبْكِي وأنوح على نَفسِي، وَقد يئست من الْحَيَاة.

فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، أَصبَحت، وَقد ضعفت، فَحَمَلَنِي حب الْحَيَاة على الْفِكر فِي الْخَلَاص، فَقُمْت، وجمعت من حِجَارَة رقيقَة كَانَت فِي الْجب شَيْئا كثيرا،

وعبيتها فِي وسط الْجب، وعلوتها لتنال يَدي طرف الْجب وأحمل نَفسِي إِلَى رَأسه.

فحين جعلت رجْلي على الْحِجَارَة، تدكدكت وانهارت، لرقتها وملاستها.

فَلم أزل أُعِيد تعبيتها وركوبها، وتنزلق من تَحت رجْلي، وَأَنا متشاغل بذلك يومي كُله، وَجَاء اللَّيْل فَلم يمكنني أَن أقوم من الْجُوع والضعف، وانكسرت نَفسِي، ثمَّ حَملَنِي النّوم.

فَلَمَّا كَانَ من الْغَد فَكرت فِي حِيلَة أُخْرَى، وَوَقع لي أَن شددت المقرعة بعلائقها فِي حمائل السَّيْف، ودليت المقرعة إِلَى دَاخل الْجب، ورميت السَّيْف إِلَى رَأس الْجب، وَأَمْسَكت المقرعة بِإِحْدَى يَدي، فَحصل جفن السَّيْف فَوق الْجب مُعْتَرضًا لرأسه، وحمائله فِي المقرعة، وَهِي مدلاة إِلَيّ.

ثمَّ أَمْسَكت السَّيْف، وسللته، وَلم أزل أقلع من أَرض الْجب مَا يُمكن قلعه ونحته من تُرَاب قَلِيل، ثمَّ عبيت ذَلِك بالرضراض وَالْحِجَارَة الرقَاق وَجعلت بَين كل سافين مِنْهَا تُرَابا، ثمَّ رددت السَّيْف إِلَى جفْنه، وعلوت الرضراض، وتعلقت على السَّيْف الْمُعْتَرض، وطفرت، فَصَارَ السَّيْف مُعْتَرضًا تَحت صَدْرِي، وَظَهَرت يداي من الْجب، فحصلت جوانبه تَحت إبطي، وأشلت نَفسِي، فَإِذا أَنا قد خرجت من الْجب، بعد أَن اعوج السَّيْف، وَكَاد يندق وَيدخل فِي بَطْني لثقلي عَلَيْهِ.

فَوَقَعت خَارج الْجب، مغشيًا عَليّ من هول مَا نالني، وَوجدت أسناني قد

اصطكت، وقوتي قد بطلت عَن الْمَشْي، فَمَا زلت أحبو وأطلب المحجة حَتَّى وقفت عَلَيْهَا.

ورآني قوم مجتازون، فَأخذُوا بيَدي، وَقَوي قلبِي فمشيت حَتَّى دخلت سنجار آخر النَّهَار، وَقد بلغت روحي إِلَى حد التّلف.

فَدخلت مَسْجِدا، فطرحت نَفسِي فِيهِ وَأَنا لَا أَشك فِي الْمَوْت، وَحَضَرت صَلَاة الْمغرب، وَاجْتمعَ أهل الْمَسْجِد فِيهِ، وسألوني عَن خبري، فَلم يكن فِي فضل للْكَلَام.

فحملوني إِلَى بَيت أحدهم، وَلم يزَالُوا يصبون فِي حلقي المَاء، ثمَّ المرق والثريد، إِلَى أَن فتحت عَيْني بعد الْعَتَمَة، فتكلمت، وَبت لَيْلَتي وَأَنا بِحَال عَظِيمَة من الْأَلَم.

فَلَمَّا كَانَ من الْغَد دخلت الْحمام، وأقمت عِنْدهم أَيَّامًا حَتَّى قويت.

ثمَّ أخرجت نَفَقَة كَانَت معي، فاستأجرت مِنْهَا مركوبًا، وَلَحِقت بصاحبي، وَسلم الله ﷿.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب التَّاسِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.