تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

سقط طِفْل من القنطرة فالتقطه الْعقَاب ثمَّ نجا سالما

وَحكى أَبُو مُحَمَّد يحيى بن فَهد الْأَزْدِيّ ﵀، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنِي ديسم بن إِبْرَاهِيم بن شاذلويه، المتغلب، كَانَ، بِأَذربِيجَان، لما ورد حَضْرَة سيف الدولة يستنجده على الْمَرْزُبَان بن مُحَمَّد بن مُسَافر السلار لما هَزَمه عَنْهَا، قَالَ: رَأَيْت بِنَاحِيَة أذربيجان نَهرا يُقَال لَهُ: الرس، شَدِيد جرية المَاء جدا، وَفِي أرضه حِجَارَة كَثِيرَة، بَعْضهَا ظَاهر على المَاء، وَبَعضهَا يغطيه المَاء، وَلَيْسَ للسفن فِيهِ مَسْلَك، وَله أجراف هائلة لَا مشاريع فِيهَا، وَعَلِيهِ قنطرة يجتاز عَلَيْهَا السابلة.

قَالَ: وَكنت مجتازًا عَلَيْهَا بعسكري، فَلَمَّا صرت فِي وسط القنطرة، رَأَيْت امْرَأَة تمشي وَقد حملت ولدا طفْلا فِي القماط، فزحمها بغل فطرحت نَفسهَا على القنطرة، وَسقط الطِّفْل من يَدهَا إِلَى النَّهر، فوصل إِلَى المَاء بعد سَاعَة، لبعد مَا بَين القنطرة وصفحة المَاء، ثمَّ غاص، وَارْتَفَعت الضجة فِي الْعَسْكَر، ثمَّ رَأينَا الصَّبِي قد طفا على وَجه المَاء، وَسلم من تِلْكَ الْحِجَارَة.

وَكَانَ الْموضع كثير العقبان، وَلها أوكار فِي أجراف ذَلِك النَّهر، وَمِنْه يصاد فراخها.

فحين ظهر الطِّفْل فِي قماطه، صَادف ذَلِك عقَابا طائرًا، فَرَآهُ، فَظَنهُ طعمة، فانقض عَلَيْهِ، وَشَبك مخالبه فِي القماط، وطار بِهِ، وَخرج إِلَى الصَّحرَاء.

فطمعت فِي تَخْلِيص الطِّفْل، فَأمرت جمَاعَة أَن يركضوا وَرَاء الْعقَاب، فركضوا، وتتبعت نَفسِي مُشَاهدَة الْحَال، فركضت.

وَإِذا الْعقَاب قد نزل إِلَى الأَرْض، وابتدأ يمزق قماط الصَّبِي ليفترسه، فحين رَأَوْهُ، صاحوا بأجمعهم، وقصدوه، فأدهشوه عَن استلاب الصَّبِي، فطار وَتَركه على الأَرْض.

فلحقنا الصَّبِي، وَإِذا هُوَ سَالم، مَا وصل إِلَيْهِ جرح، وَهُوَ يبكي.

فكببناه، حَتَّى خرج المَاء من جَوْفه، وحملناه إِلَى أمه حَيا، سالما.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب التَّاسِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.