من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
قصَّة ابْن التمساح
وَحكى أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر الْكَاتِب الْمَعْرُوف بالحاتمي، قَالَ: رَأَيْت بِمصْر رجلا يعرف بِابْن التمساح، فَسَأَلت جمَاعَة من أهل مصر، من الْعَامَّة، عَن ذَلِك.
فَقَالُوا: هَذَا وطئ التمساح أمه، فولدته.
فَكَذبت ذَلِك، وبحثت عَن الْخَبَر، فَأَخْبرنِي جمَاعَة من عقلاء مصر، أَن التمساح بهَا يَأْخُذ النَّاس من المَاء فيفترسهم.
وَرُبمَا أَخذهم وَهُوَ شبعان، فَيحمل الْمَأْخُوذ بِيَدِهِ على صَدره، حَتَّى يَجِيء بِهِ إِلَى أجراف أَسْفَل مصر بمسافة، وَهِي جبال حِجَارَة فِيهَا مغارات إِلَى النّيل، لَا يصل إِلَيْهَا الْمَاشِي وَلَا سالك المَاء لبعدها عَن الْجِهَتَيْنِ.
فيتسلق التمساح إِلَى بعض المغارات، فيودع بهَا الْإِنْسَان الَّذِي أَخذه، حَيا أَو مَيتا بِحَسب الِاتِّفَاق ويمضي.
فَإِذا جَاع وَلم يظفر بِشَيْء، عَاد إِلَى الْموضع فيفترس الْإِنْسَان الَّذِي خبأه هُنَاكَ.
قَالَ: فَكَانَ قد قبض على امْرَأَة فِي بعض الْأَوْقَات، فَجَعلهَا فِي المغارة، فَذكرت الْمَرْأَة: أَنَّهَا حينما اسْتَقَرَّتْ فِي المغارة، وَانْصَرف التمساح، رَأَتْ هُنَاكَ رجلا حَيا، وآثار جمَاعَة قد افترسهم التمساح.
وَأَنَّهَا سَأَلت الرجل عَن أمره، فَذكر أَن التمساح تَركه هُنَاكَ مُنْذُ يَوْمَيْنِ.
قَالَت: وَأخذ الرجل يؤانسني بِالْحَدِيثِ، إِلَى أَن طالبني بنفسي.
فَقلت: يَا هَذَا اتَّقِ الله.
فَقَالَ: التمساح قد مضى، وَمن سَاعَة إِلَى سَاعَة فرج، وَلَعَلَّ أَن تجتاز بِنَا
سفينة قبل عودته فنطرح أَنْفُسنَا إِلَيْهَا.
فوعظته، فَلم يلْتَفت إِلَى كَلَامي، واغتصبني نَفسِي، فواقعني.
وَمَا نزل حَتَّى جَاءَ التمساح، فَأَخذه من فَوقِي، وَمضى، فَبَقيت كالميتة فَزعًا.
فَأَنا كَذَلِك، إِذْ سَمِعت وَقع حوافر الْخَيل، وَصَوت أَقْدَام كثيرين، فأخرجت رَأْسِي من الْغَار، وَصحت واستغثت، فَاطلع أحدهم.
وَقَالَ: مَا أَنْت؟ فَقلت: حَدِيثي طريف، أرموا لي حبلًا أتخلص بِهِ إِلَيْكُم.
فرموا لي حبلًا، فشددت نَفسِي، واستظهرت جهدي، وأطراف الْحَبل فِي أَيْديهم.
فَقلت: اجذبوني.
فجذبوني، فصرت مَعَهم على ظهر المغارة، بعد أَن توهنت، وتسلخت يَدي.
فسألوني عَن خبري، فَأَخْبَرتهمْ، فأركبوني شَيْئا، وأدخلوني الْبَلَد، فَلَمَّا كَانَ وَقت عَادَة حيضي، تَأَخَّرت عني، ثمَّ ظهر الْحمل، فَولدت ابْني هَذَا بعد تِسْعَة أشهر.
وكرهت أَن أخبر كل أحد بِهَذَا الحَدِيث، فنسبت ذَلِك إِلَى التمساح، وأستتر أَمْرِي بذلك.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع