تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أَبُو الْقَاسِم الْعلوِي يواجه الْأسد

وحَدثني أَبُو الْقَاسِم بن الأعلم الْعلوِي الْكُوفِي، الفيلسوف، قَالَ: خرجت من بَغْدَاد، أُرِيد الْكُوفَة، فَلَمَّا صرت فِيمَا بَينهَا وَبَين حمام أعين قَرْيَة قريبَة من الْكُوفَة أفضيت إِلَى أجمة هُنَاكَ.

وَكنت قد تقدّمت الرّفْقَة، وَأَنا رَاكب حمارا، وورائي بمسافة قريبَة غُلَام لي مَمْلُوك رَاكب بغلًا، فسرنا حَتَّى أبعدنا عَن الرّفْقَة.

فَلَمَّا دخلت الأجمة، رَأَيْت مسناة دقيقة فِي وسط الأجمة، وَعَلَيْهَا المسلك، يُوصل إِلَيْهَا من هبوط.

فرمت النُّزُول إِلَيْهَا، فَوقف الْحمار تحتي، فضربته ضربا شَدِيدا، فَلم أَجِدهُ يبرح.

فَالْتَفت إِلَى كفله، لأتأمل قوائمه، فَرَأَيْت أسدًا قَائِما، وَبَينه وَبَين قَوَائِم الْحمار نَحْو ذِرَاع أَو أقل، وَإِذا الْحمار قد شم رَائِحَته، فأصابته رعدة شَدِيدَة، ورسخت قوائمه فِي الأَرْض، وَلم يَتَحَرَّك.

فَلم أَشك فِي التّلف، وَأَن الْأسد سيمد يَده، فيجذبني من على الْحمار، فغمضت عَيْني لِئَلَّا أرى كَيفَ أحصل فِي مخالبه، وَأَقْبَلت أَتَشهد، وأقرأ، وَأَنا مَعَ ذَلِك أجد عَقْلِي ثَابتا، ومتصورًا لهيأة الْأسد، وَلم يفدني التغميض شَيْئا.

ثمَّ ذكرت فِي الْحَال حِكَايَة كنت أسمعها، أَن الْأسد لَا يفترس الْإِنْسَان وَهُوَ مواجه لَهُ، فاستدرت وَفتحت عَيْني فِي عَيْنَيْهِ، وَأَقْبَلت أَتَشهد خفِيا، والأسد فاتح فَاه، وَأَنا أتأمل أَسْنَانه، وَتصل إِلَى أنفي من فَمه رَوَائِح مُنْتِنَة.

فَإِنِّي لكذلك إِذْ لَحِقَنِي الصَّبِي الْمَمْلُوك على البغلة، وَمَعَهُ رجل رَاكب دَابَّة، ووراءهما قوم مشَاة.

فحين رأى الْمَمْلُوك تِلْكَ الْحَالة، جزع جزعًا شَدِيدا، وَصَاح بِأَعْلَى صَوته: يَا معاشر الْمُسلمين أدركونا، فقد افترس الْأسد مولَايَ الْعلوِي.

فحين سمع الْأسد الصياح من وَرَائه انزعج، والتفت، فَرَأى الصَّبِي قَرِيبا إِلَيْهِ، فتناوله من أَعلَى السرج، وعار الْبَغْل وَحصل الصَّبِي فِي فَم الْأسد، كالفأرة فِي فَم السنور، وَأَنا كالميت إِلَّا أَنِّي أحصل مَا أرى من ذَلِك.

وَأَقْبل الْأسد يحمل على رَاكب الدَّابَّة، والمشاة، وَالصَّبِيّ فِي فَمه، فَهَرَبُوا مِنْهُ، وَدخل الأجمة.

فَقلت فِي نَفسِي: قد فداني الله ﷿ بمملوكي، وخلص نَفسِي بِيَسِير من مَالِي، فَمَا وُقُوفِي؟ فرميت بنفسي عَن الْحمار، وفررت أعدو على المسناة، فتلقاني قوم قد جَاءُوا من الْكُوفَة، وَرَأَوا حيرتي، وفزعي، فسألوني عَن أَمْرِي، فَأَخْبَرتهمْ.

فتقدموا يطْلبُونَ الْأسد، وقويت نَفسِي، فزدت فِي الْعَدو، إِلَى أَن خرجت من الأجمة، ولحقني الرّفْقَة الَّتِي كنت فِيهَا، وَقد عقلوا البغلة الَّتِي كَانَت تَحت مملوكي، وَسَاقُوا الْحمار، فركبته، وَدخلت الْكُوفَة.

وَكَانَ هَذَا الْخَبَر يَوْم الثُّلَاثَاء غرَّة شهر الْمحرم سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، فَصمت يومي، واعتقدت أَن أَصوم كل ثلاثاء، أبدا، وَأَنا أصومه إِلَى الْآن.

وَجَاءَنِي أَبُو عَليّ عمر بن يحيى الْعلوِي، مهنئًا بالسلامة، وبقدومي، وَكَانَ خبري شاع.

وَقَالَ لي فِي جملَة كَلَامه: كَيفَ خفت الْأسد؟ أَو مَا علمت أَن لحومنا معاشر بني فَاطِمَة مُحرمَة على السبَاع؟ فَقلت لَهُ: مثل سيدنَا، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، لَا يَقُول مثل هَذَا، وَمَا الَّذِي كَانَ يؤمنني أَن يكون هَذَا الحَدِيث بَاطِلا فأتلف، وَكَيف كَانَت نَفسِي، مَعَ طبع البشرية، تطمئِن فِي مثل ذَلِك الْوَقْت، إِلَى هَذَا الحَدِيث؟ قَالَ: كَيفَ يكون هَذَا الحَدِيث بَاطِلا، مَعَ مَا روينَاهُ من خبر زَيْنَب الكذابة مَعَ عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا ﵉؟ قَالَ: فَقلت لَهُ: بلَى، قد رويت ذَلِك، وَلَكِن لم يخْطر فِي فكري من هَذَا شَيْء فِي تِلْكَ الْحَال.

قَالَ مؤلف الْكتاب: فَقلت أَنا لأبي الْقَاسِم بن الأعلم، وَمَا خبر زَيْنَب الكذابة؟ فَإِنِّي لم أسمعهُ.

قَالَ: هَذَا خبر مَشْهُور عِنْد الشِّيعَة، بِإِسْنَاد لَهُم لَا أحفظه، وَذَلِكَ: أَن امْرَأَة يُقَال لَهَا زَيْنَب ادَّعَت أَنَّهَا علوِيَّة، فجيء بهَا إِلَى عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا ﵉، فَدفع نَسَبهَا.

فخاطبته بِكَلَام دفعت فِيهِ نسبه، ونسبته إِلَى مثل مَا نَسَبهَا إِلَيْهِ من الادعاء، وَكَانَ ذَلِك بِحَضْرَة السُّلْطَان.

فَقَالَ الرِّضَا: أخرج أَنا وَهَذِه الْمَرْأَة إِلَى بركَة السبَاع، فَإِنِّي رويت عَن آبَائِي عَن النَّبِي ﷺ: أَن لُحُوم ولد فَاطِمَة صلوَات الله عَلَيْهَا مُحرمَة على السبَاع، فَمن أَكلته السبَاع فَهُوَ دعِي.

فَقَالَت الْمَرْأَة: لَا أرْضى بِهَذَا، وَدفعت الْخَبَر، فأجبرها السُّلْطَان على ذَلِك.

فَقَالَت: فلينزل قبلي.

فَنزل الرِّضَا بِمحضر من خلق عَظِيم، فَلَمَّا رَأَتْهُ السبَاع، أقعت على أذنابها، فَدَنَا مِنْهَا، وَلم يزل يمسح رَأس كل وَاحِد مِنْهَا ويمر بِيَدِهِ إِلَى ذَنبه، والسبع يبصبص لَهُ، حَتَّى أَتَى على آخرهَا، ثمَّ ولى، فَصَعدَ من الْبركَة.

وكرهت الْمَرْأَة النُّزُول، وأبته، فأجبرت على ذَلِك، فحين نزلت وثب عَلَيْهَا السبَاع، فافترسوها ومزقوها، فَعرفت بِزَيْنَب الكذابة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب التَّاسِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.