تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أعَان الفيلة على قتل ثعبان فكافئوه بِمَا أغناه

وَحدث عبد الله بن مُحَمَّد بن خرسان السيرافي، الْمُقِيم، كَانَ، بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن جدي، قَالَ ذكر جمَاعَة من شُيُوخ الْبَحْرين الَّذين ترددوا إِلَى بِلَاد الْهِنْد، أَنهم سمعُوا هُنَاكَ حِكَايَة مستفيضة، أَن رجلا كَانَ معاشه صيد الفيلة قَالَ: استخفيت مرّة فِي شَجَرَة كَبِيرَة عالية كَثِيرَة الْوَرق فِي غيضة كَانَت تجتاز بهَا الفيلة، من شرائع المَاء الَّتِي تردها إِلَى مراتعها.

فاجتاز بِي قطيع مِنْهَا، وَكَانَت عادتي أَن أدع القطعان تجوز حَتَّى تبلغ آخر فيل مِنْهَا، فأرميه بِسَهْم مَسْمُوم فِي بعض مقاتله، فتجفل الفيلة، فَإِذا مَاتَ الْفِيل الْمَجْرُوح، نزلت فاقتلعت أنيابه وسلخت جلده، وَأخذت ذَلِك فَبِعْته فِي الْبِلَاد.

فَلَمَّا اجتاز بِي هَذَا القطيع، رميت آخر فيل كَانَ فِيهِ، فَخر، فاضطربت الفيلة، وأسرعت عَنهُ.

فَإِذا أعظمها قد عَاد فَوقف عَلَيْهِ، وَتَأمل السهْم وَالْجرْح، وَرجعت مَعَه الفيلة، ووقفت بوقوفه، فَمَا زَالَ قَائِما والفيل الْمَجْرُوح يضطرب إِلَى أَن مَاتَ.

فَضَجَّ ذَلِك الْفِيل ضَجِيجًا عَظِيما، وضجت الفيلة مَعَه وانتشرت فِي الغيضة، ففتشتها شَجَرَة شَجَرَة، فأيقنت بِالْهَلَاكِ.

وانْتهى الْفِيل الْأَعْظَم إِلَى الشَّجَرَة الَّتِي أَنا فِيهَا، فَلَمَّا رَآنِي أحتك بِالشَّجَرَةِ،

فَإِذا هِيَ قد انْكَسَرت، على عظمها وضخامتها، وَسَقَطت أَنا والشجرة إِلَى الأَرْض، فَلم أَشك فِي أَن الْفِيل يدومني.

وَإِذا بِهِ قد جَاءَ حَتَّى وقف يتأملني، وأحجمت الفيلة عني.

فَلَمَّا رأى الْفِيل الْعَظِيم قوسي وسهامي، لف خرطومه عَليّ بِرِفْق، وشالني من غير أَذَى، حَتَّى وضعني على ظَهره، وَرجع يُرِيد الطَّرِيق الَّتِي كَانَ أقبل مِنْهَا، وهرول، وهرولت الفيلة خَلفه، حَتَّى بلغ المَاء، والفيلة مَعَه.

فَإِذا قد خرج عَلَيْهَا ثعبان عَظِيم ينْفخ، فتأخرت الفيلة، وأشال الْفِيل الْأَعْظَم خرطومه، فلفه عَليّ، وأنزلني، وَتَرَكَنِي على الأَرْض، وَأخذ يُومِئ بخرطومه إِلَى الثعبان بِرِفْق وتملق.

فسددت سَهْما إِلَى الثعبان، ورميته، فَأَصَبْته، وتابعت رميه، فَانْصَرف مثخنًا.

فَتقدم إِلَيْهِ الْفِيل فداسه، ثمَّ عَاد إِلَيّ، فأخذني بخرطومه، وَجَعَلَنِي على ظَهره وَأَقْبل يُهَرْوِل، والفيلة خَلفه.

فجَاء بِي إِلَى غيضة لم أكن أعرفهَا، أعظم من الَّتِي أَخَذَنِي مِنْهَا، وَأبْعد بعدة فراسخ، وفيهَا فيلة ميتَة، لَا يحصيها إِلَّا الله تَعَالَى، وأكثرها قد بلي جسده وَبقيت عِظَامه.

فَمَا زَالَ يتتبع الأنياب ويجمعها، ويومئ إِلَى فيل فيل، حَتَّى لم يدع هُنَاكَ نابًا إِلَّا جمعه، وأوقر تِلْكَ الفيلة، ثمَّ أركبني على ظَهره، وَأخذ بِي فِي طَرِيق الْعِمَارَة، واتبعته الفيلة.

فَلَمَّا شَارف الْقرى وقف، وَأَوْمَأَ إِلَى الفيلة فطرحت أحمالها، حَتَّى لم يبْق مِنْهَا شَيْء، ثمَّ أنزلني بخرطومه بِرِفْق، وَتَرَكَنِي عِنْد الأنياب، وَقد صَارَت تَلا عَظِيما هائلًا.

فَجَلَست عِنْدهَا مُتَعَجِّبا من سلامتي، وَرجع الْفِيل يُرِيد الصَّحرَاء، وَرجعت الفيلة بِرُجُوعِهِ، وَأَنا لَا أصدق بسلامتي، وَلَا بِمَا شاهدت من عظم فطنة الْفِيل.

فَلَمَّا غَابَتْ الفيلة عني، مشيت، إِلَى أقرب الْقرى إِلَيّ، واستأجرت خلقا كثيرا، حَتَّى خَرجُوا معي، وحملوا تِلْكَ الأنياب، فِي أَيَّام، إِلَى الْقرْيَة.

وَمَا زلت أبيعها فِي تِلْكَ المدن، حَتَّى حصل لي مَال عَظِيم، كَانَ سَبَب يساري وغناي عَن صيد الفيلة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب التَّاسِع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.