من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
حلف بِالطَّلَاق أَن لَا يبيت بمناذر فَكَانَ ذَلِك سَببا لإنقاذ شخص من براثن الْأسد
وَحكى سعد بن مُحَمَّد بن عَليّ الْأَزْدِيّ، الشَّاعِر، الْمَعْرُوف بالوحيد، قَالَ: حَدثنِي مَرْوَان بن شُعَيْب الْعَدوي، من عدي ربيعَة، قَالَ: وَهُوَ بنهر تل هوارا، وَكَانَ من أَهلهَا، قَالَ: كنت فِي حداثتي شَدِيد الْقُوَّة والأيد، وَكَانَت بنيته لما حَدثنِي، تدل على ذَلِك مِنْهُ، وَكنت عِنْد زَوْجَة لي من عبد الْقَيْس فِي مناذر، وَهِي قريبَة من تل هوارا، على أَرْبَعَة فراسخ، وَعِنْدِي قوم من أهل هواره، وَنحن نشرب.
فتفاخرنا إِلَى أَن انتهينا إِلَى تَجْرِيد السيوف، فحجز بَيْننَا مَشَايِخ الْقرْيَة، وَبدر لساني، فَحَلَفت بِالطَّلَاق أَن لَا أَبيت بمناذر.
فَخرجت مِنْهَا أُرِيد منزلي بتل هوارا، وَمَعِي سَيفي وجحفتي، وَكَانَ ذَلِك فِي اللَّيْل.
فسرت فِي الطَّرِيق وحدي، وَبَلغت أجمة لَا بُد من سلوكها، فَلَمَّا سرت فِيهَا قَلِيلا، سَمِعت صياحًا شَدِيدا من ورائي، فجردت سَيفي، وَرجعت أطلب الصَّوْت.
فَوجدت الْأسد قد افترس رجلا، وَهُوَ الَّذِي صَاح، ورأيته فِي فَم الْأسد عرضا بثيابه.
فَصحت بالأسد، فَرمى بِالرجلِ، وَرجع إِلَيّ، فقاتلته سَاعَة، ثمَّ وثب عَليّ وثبة شَدِيدَة، فلطئت بِالْأَرْضِ، وجمعت نَفسِي فِي جحفتي، فلشدة وثبته جاوزني، فَصَارَ ورائي، فأسرعت الْوُثُوب نَحوه، وبعجته بِالسَّيْفِ فِي فَمه، وَكَانَ سَيْفا مَاضِيا، فَدخل فِي فَمه وَخرج من لبته، فَخر صَرِيعًا يضطرب، فتداركته بضربات كَثِيرَة حَتَّى تلف.
وعدت إِلَى الرجل، فَوَجَدته يتنفس وَلَا يعقل، فَحَملته إِلَى الجادة، وَكَانَت لَيْلَة مُقْمِرَة.
وتأملت الرجل، فَإِذا هُوَ تَاجر من تل هوارا، أعرفهُ، فَلم تطب نَفسِي بِتَرْكِهِ أصلا، فَجَعَلته عِنْد الجادة، وعدت فَأخذت رَأس السَّبع، وَحَمَلته وَالرجل،
وحصلتهما فِي صبيغة كَانَت عَليّ.
والصبيغة إِزَار أَحْمَر يتشح بِهِ عرب تِلْكَ النَّاحِيَة.
وَكَانَ الْأسد فِي خلال قتالي إِيَّاه قد ضرب فَخذي بكفه، فأحسست بِهِ فِي الْحَال كغرزة الإبرة، لما كنت فِيهِ من الهول.
فَلَمَّا حصلت أَمْشِي حَامِلا رَأس الْأسد وَالرجل، أحسست بالألم، وَرَأَيْت الدَّم يجْرِي، وقوتي تضعف، فَصَبَرت نَفسِي حَتَّى بلغت تل هوارا وَقد أَصبَحت.
فَأنْكر أهل الْقرْيَة حَالي، وَحَال الْجرْح، فسألوني عَن خبري، فألقيت الصبيغة الَّتِي فِيهَا الرجل وَالرَّأْس، فاستهلوا الْحَال لما حدثتهم بهَا.
وفتشوا الرجل، فوجدوا فِي بدنه خدوشًا يسيرَة، فَأَخَذُوهُ، ورمت أَن أَمْشِي إِلَى بَيْتِي، فَلم أقدر، حَتَّى حملت، وَمَكَثت فِي بَيْتِي زَمَانا، وَكنت أعالج نَفسِي من تِلْكَ الْجراح مُدَّة.
وعولج الرجل فبرأ قبلي بأيام، وَهُوَ حَيّ إِلَى الْآن، يسميني مولَايَ، ومعتقي، وجراحي أَنا، لصعوبتها تنْتَقض عَليّ فِي أغلب الْأَوْقَات.
قَالَ سعد بن مُحَمَّد: وَأرَانِي الْجرْح، فَكَانَ عَظِيم الْفَتْح، قَالَ: فَلم أعلم سَببا لسكرنا وعربدتنا، إِلَّا أَنه سَبَب النجَاة لذَلِك الرجل.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع