تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

بِهِ من غير دائه وَهُوَ صَالح

أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن مزِيد بن أبي الْأَزْهَر، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن إِسْحَاق، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: سرت إِلَى سر من رأى بعد قدومي من الْحَج، فَدخلت إِلَى الواثق بِاللَّه، فَقَالَ: بِأَيّ شَيْء أطرفتني من الْأَحَادِيث الَّتِي استفدتها من الْأَعْرَاب وأشعارهم؟ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ جلس إِلَيّ فَتى من الْأَعْرَاب فِي بعض الْمنَازل، فحاورني، فَرَأَيْت مِنْهُ أحلى مَا رَأَيْت من الفتيان، منْظرًا، وحديثًا، وظرفًا، وأدبًا.

فاستنشدته، فأنشدني:

سقى الْعلم الْفَرد الَّذِي فِي ظلالهغزالان مكتنّان مؤتلفان
إِذا أمنا ألتفّا بجيد تواصلٍوطرفاهما للريب مسترقان
أردتهما ختلًا فَلم أستطعهماورميًا ففاتاني وَقد قتلاني

ثمَّ تنفس تنفسًا، ظَنَنْت أَنه قد قطع حيازيمه.

فَقلت لَهُ: مَا لَك بِأبي أَنْت؟ فَقَالَ: وَرَاء هذَيْن الجبلين شجني، وَقد حيل بيني وَبَين الْمُرُور بِهَذِهِ الْبِلَاد، ونذروا دمي، فَأَنا أتمتع بِالنّظرِ إِلَى هذَيْن الجبلين، تعللًا بهما، إِذا قدم الْحَاج، ثمَّ يُحَال بيني وَبَين ذَلِك.

فَقلت لَهُ: زِدْنِي مِمَّا قلت، فأنشدني:

إِذا مَا وَردت المَاء فِي بعض أَهلهحُضُور فعرّض بِي كأنّك مازح
فَإِن سَأَلت عنّي حُضُور فَقل لَهَابِهِ غيرٌ من دائه وَهُوَ صَالح

فَأمرنِي الواثق، فَكتبت الشعرين.

فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام دَعَاني، فَقَالَ لي: قد صنع بعض عَجَائِز دَارنَا فِي أحد الشعرين لحنًا، فاسمعه، فَإِن ارتضيته أظهرناه، وَإِن رَأَيْت فِيهِ مَوضِع إصْلَاح أصلحناه.

ثمَّ غَنِي لنا بِهِ من وَرَاء الستارة، فَكَانَ فِي غَايَة الْجَوْدَة، وَكَذَلِكَ كَانَ يصنع إِذا وضع لحنًا.

فَقلت لَهُ: أحسن، وَالله، صانعه، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.

فَقَالَ: بحياتي؟ فَقلت: إِي وحياتك، وَحلفت لَهُ بِمَا وثق بِهِ.

فَأمر لي برطل، فَشَربته، ثمَّ أَخذ الْعود، فغناه ثَلَاث مَرَّات، وسقاني عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَرْطَال، وَأمر لي بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم.

فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، دَعَاني، فَقَالَ: قد صنع بعض عَجَائِز دَارنَا فِي الشّعْر الآخر لحنًا، وَأمر فغني بِهِ، فَكَانَ حَالي مثل الْحَال فِي الشّعْر الأول، وَحلفت لَهُ على جودته، فغناه ثَلَاث مَرَّات، وسقاني ثَلَاثَة أَرْطَال، وَأمر لي بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم.

ثمَّ قَالَ: هَل قضيت حق حَدِيثك؟ فَقلت: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَطَالَ الله بَقَاءَك، وَأتم نعْمَته عَلَيْك.

فَقَالَ: وَلَكِنَّك لم تقض حق الْأَعرَابِي، وَلَا سَأَلتنِي معونته على أمره؟ وَقد سبقت مسألتك، وكتبت بِخَبَرِهِ إِلَى صَاحب الْحجاز، وأمرته بتجهيزه، وخطبة

الْمَرْأَة لَهُ، وَحمل صَدَاقهَا إِلَى قَومهَا عَنهُ من مالنا، فَفعل.

فَقبلت يَده، وَقلت: السَّبق إِلَى المكارم لَك، وَأَنت أولى بهَا من غَيْرك من سَائِر النَّاس.

قَالَ: أَبُو الْفرج: وصنعة الواثق فِي الشعرين جَمِيعًا من الرمل.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّالِث عشر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.