تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أقسم أَن يغسل يَده أَرْبَعِينَ مرّة إِذا أكل زيرباجة

حَدثنِي أَبُو الْفرج أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْفَقِيه الْحَنَفِيّ الْمَعْرُوف بِابْن النَّرْسِي من أهل بَاب الشَّام بِبَغْدَاد، وَقد كَانَ خلف أَبَا الْحسن عَليّ بن أبي طَالب بن البهلول التنوخي على الْقَضَاء بهيت، وَمَا عَلمته إِلَّا ثِقَة، قَالَ: سَمِعت فلَان التَّاجِر، يحدث أبي، وأسمى التَّاجِر، وأنسيته أَنا، قَالَ: حضرت عِنْد صديق لي من البزازين، وَكَانَ مَشْهُورا، فِي دَعْوَة، فَقدم فِي جملَة طَعَامه، زيرباجة، وَلم يأكلها، فامتنعنا من أكلهَا.

فَقَالَ: أحب أَن تَأْكُلُوا مِنْهَا، وتعفوني من أكلهَا، فَلم ندعه حَتَّى أكل.

فَلَمَّا غسلنا أَيْدِينَا، انْفَرد يغسل يَده، ووقف غُلَام يعد عَلَيْهِ الْغسْل، حَتَّى قَالَ لَهُ: قد غسلت يدك أَرْبَعِينَ مرّة، فَقطع الْغسْل.

فَقُلْنَا لَهُ: مَا سَبَب هَذَا؟ فَامْتنعَ، فألححنا عَلَيْهِ.

فَقَالَ: مَاتَ أبي وسني نَحوا من عشْرين سنة، وَخلف عَليّ حَالا صَغِيرَة، وأوصاني قبل مَوته بِقَضَاء دُيُون عَلَيْهِ، وملازمة السُّوق، وَأَن أكون أول دَاخل إِلَيْهِ، وَآخر خَارج مِنْهُ، وَأَن أحفظ مَالِي.

فَلَمَّا مَاتَ، قضيت دينه، وحفظت مَا خَلفه لي، ولزمت الدّكان، فَرَأَيْت فِي ذَلِك مَنَافِع كَثِيرَة.

فَبينا أَنا جَالس يَوْمًا وَلم يتكامل السُّوق، وَإِذا بِامْرَأَة راكبة على حمَار، وعَلى كفله منديل دبيقي، وخادم يمسك بالعنان، فَنزلت عِنْدِي.

فأكرمتها، وَوَثَبْت إِلَيْهَا، وسألتها عَن حَاجَتهَا، فَذكرت ثيابًا.

فَسمِعت، وَالله، نَغمَة، مَا سَمِعت قطّ أحسن مِنْهَا، وَرَأَيْت وَجها لم أر مثله، فَذهب عني عَقْلِي، وعشقتها فِي الْحَال.

فَقلت لَهَا: تصبرين حَتَّى يتكامل السُّوق، وآخذ لَك مَا تريدين، فَفعلت، وَأخذت تحادثني، وَأَنا فِي الْمَوْت عشقًا لَهَا.

وَخرج النَّاس، فَأخذت لَهَا مَا أَرَادَت، فجمعته، وَركبت وَلم تخاطبني فِي ثمنه بِحرف وَاحِد، وَكَانَ مَا قِيمَته خَمْسَة آلَاف دِرْهَم.

فَلَمَّا غَابَتْ عني أَفَقْت، وأحسست بالفقر، فَقلت: محتالة، خدعتني بِحسن وَجههَا، ورأتني حَدثا، فاستغرتني، وَلم أكن سَأَلتهَا عَن منزلهَا، وَلَا طالبتها بِالثّمن، لدهشتي بهَا.

فكتمت خبري لِئَلَّا أفتضح، وأتعجل الْمَكْرُوه، وعولت على غلق دكاني،

وَبيع كل مَا فِيهَا، وأوفي النَّاس ثمن مَتَاعهمْ، وأجلس فِي بَيْتِي مُقْتَصرا على غلَّة يسيرَة من عقار كَانَ خَلفه لي أبي.

فَلَمَّا كَانَ بعد أُسْبُوع، إِذا بهَا قد باكرتني، وَنزلت عِنْدِي، فحين رَأَيْتهَا أنسيت مَا كنت فِيهِ وَقمت لَهَا.

فَقَالَت: يَا فَتى، تأخرنا عَنْك، وَمَا شككنا أَنا قد روعناك، وظننت أَنا قد احتلنا عَلَيْك.

فَقلت: قد رفع الله قدرك عَن هَذَا.

فاستدعت الْمِيزَان، فوفتني دَنَانِير قدر مَا قلت لَهَا عَن ثمن الْمَتَاع، وأخرجت تذكرة بمتاع آخر.

فأجلستها أحادثها، وأتمتع بِالنّظرِ إِلَيْهَا إِلَى أَن تَكَامل السُّوق، وَقمت، وَدفعت إِلَى كل إِنْسَان مَا كَانَ لَهُ، وَطلبت مِنْهُم مَا أَرَادَت، فأعطوني، فجئتها بِهِ، فَأَخَذته وانصرفت، وَلم تخاطبني فِي ثمنه بِحرف.

فَلَمَّا غَابَتْ عني نَدِمت، وَقلت: المحنة هَذِه، أعطتني خَمْسَة آلَاف دِرْهَم، وَأخذت مني مَتَاعا بِأَلف دِينَار، والآن إِن لم أقع لَهَا على خبر، فَلَيْسَ إِلَّا الْفقر، وَبيع مَتَاع الدّكان، وَمَا قد ورثته من عقار.

وتطاولت غيبتها عني أَكثر من شهر وَأخذ التُّجَّار يشددون عَليّ فِي الْمُطَالبَة، فعرضت عقاري، وأشرفت على الهلكة.

فَأَنا فِي ذَلِك، وَإِذا بهَا قد نزلت عِنْدِي، فحين رَأَيْتهَا زَالَ عني الْفِكر فِي المَال، ونسيت مَا كنت فِيهِ، وَأَقْبَلت عَليّ تحادثني، وَقَالَت: هَات الطيار، فوزنت لي بِقِيمَة الْمَتَاع دَنَانِير.

فَأخذت أطاولها فِي الْكَلَام، فبسطتني، فكدت أَمُوت فَرحا وسرورًا، إِلَى أَن قَالَت: هَل لَك زَوْجَة؟ فَقلت: لَا وَالله يَا سيدتي، وَمَا أعرف امْرَأَة قطّ، وبكيت.

فَقَالَت: مَا لَك؟ قلت: خير، وهِبْتُهَا ثُمَّ قُمْتُ وَأَخَذْتُ بِيَدِ الْخَادِمِ الَّذِي كَانَ مَعَهَا، وَأَخْرَجْتُ لَهُ دَنَانِيرَ كَثِيرَةً، وَسَأَلْتُهُ أَنْ يَتَوَسَّطَ الأَمْرَ بَيْنِي وَبَيْنَ سِتَّهُ.

فَضَحِك، وَقَالَ: إِنَّهَا هِيَ، وَالله، أعشق مِنْك لَهَا، وَمَا بهَا حَاجَة إِلَى مَا اشترته مِنْك، وَإِنَّمَا تجيئك محبَّة لمطاولتك، فخاطبها بِمَا تُرِيدُ، فَإِنَّهَا تقبله، وتستغني عني.

فعدت، وَكنت قلت لَهَا: إِنِّي أمضي لأنقد الدَّنَانِير، فَلَمَّا عدت، قَالَت: نقدت الدَّنَانِير؟ وضحكت، وَقد كَانَت رأتني مَعَ الْخَادِم.

فَقلت لَهَا: يَا ستي، الله، الله، فِي دمي، وخاطبتها بِمَا فِي نَفسِي مِنْهَا، فأعجبها ذَلِك، وَقبلت الْخطاب أحسن الْقبُول.

وَقَالَت: الْخَادِم يجيئك برسالتي بِمَا تعْمل عَلَيْهِ، وَقَامَت وَلم تَأْخُذ مني شَيْئا، فوفيت النَّاس أَمْوَالهم، وحصلت ربحا وَاسِعًا، واغتممت خوفًا من انْقِطَاع السَّبَب بيني وَبَينهَا، وَلم أنم لَيْلَتي قلقًا وخوفًا.

فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام جَاءَنِي الْخَادِم، فأكرمته، ووهبت لَهُ دَنَانِير لَهَا صُورَة، وَسَأَلته عَنْهَا.

فَقَالَ: هِيَ، وَالله، عليلة من شوقها إِلَيْك.

فَقلت: فاشرح لي أمرهَا؟

فَقَالَ: هَذِه صبية ربتها السيدة أم أَمِير الْمُؤمنِينَ المقتدر بِاللَّه، وَهِي من أخص جواريها عِنْدهَا، وأحضاهن، وأحبهن إِلَيْهَا.

وَإِنَّهَا اشتهت رُؤْيَة النَّاس، وَالدُّخُول وَالْخُرُوج، فتوصلت حَتَّى صَارَت القهرمانة، وَصَارَت تخرج فِي الْحَوَائِج، فترى النَّاس.

وَقد، وَالله، حدثت السيدة بحديثك، وسألتها أَن تزَوجهَا مِنْك، فَقَالَت: لَا أفعل، أَو أرى الرجل، فَإِن كَانَ يستحقك، وَإِلَّا لَا أدعك واختيارك.

وتحتاج إِلَى أَن تتحيل فِي إدخالك إِلَى الدَّار بحيلة، إِن تمت وصلت إِلَى تَزْوِيجهَا، وَإِن انكشفت ضربت عُنُقك، فَمَا تَقول؟ فَقلت: أَصْبِر على هَذَا.

فَقَالَ: إِذا كَانَ اللَّيْلَة، فأعبر إِلَى المخرم، وادخل الْمَسْجِد الَّذِي بنته السيدة على شاطئ دجلة، وعَلى حَائِطه الْأَخير مِمَّا يَلِي دجلة، اسْمهَا مَكْتُوب بالآجر الْمَقْطُوع، فَبت فِيهِ.

قَالَ أَبُو الْفرج بن النَّرْسِي: وَهُوَ الْمَسْجِد الَّذِي قد سد بَابه الْآن سبكتكين، الْحَاجِب الْكَبِير، مولى معز الدولة، الْمَعْرُوف بجاشنكير، وأضافه إِلَى ميدان

دَاره، وَجعله مصلى لِغِلْمَانِهِ.

قَالَ الرجل: فَلَمَّا كَانَ قبل الْمغرب مضيت إِلَى المخرم، فَصليت فِي الْمَسْجِد العشاءين، وَبت فِيهِ.

فَلَمَّا كَانَ وَقت السحر، إِذا بطيار لطيف قد قدم، وخدم قد نزلُوا وَمَعَهُمْ صناديق فارغة، فجعلوها فِي الْمَسْجِد، وَانْصَرفُوا، وَبَقِي وَاحِد مِنْهُم، فتأملته، فَإِذا هُوَ الْوَاسِطَة بيني وَبَينهَا.

ثمَّ صعدت الْجَارِيَة واستدعتني، فَقُمْت، وعانقتها، وَقبلت يَدهَا، وقبلتني قبلات كَثِيرَة، وضمتني، وبكيت، وبكت.

وتحدثنا سَاعَة، ثمَّ أجلستني فِي وَاحِد من الصناديق، وَكَانَ كَبِيرا، وأقفلته.

وَأَقْبل الخدم يتراجعون بِثِيَاب، وَمَاء ورد، وعطر، وَأَشْيَاء قد أحضروها من مَوَاضِع، وَهِي تفرق فِي بَاقِي الصناديق، وتقفل، ثمَّ حملت الصناديق فِي الطيار، وَانْحَدَرَ.

فلحقني من النَّدَم أَمر عَظِيم، وَقلت: قتلت نَفسِي لشَهْوَة لَعَلَّهَا لَا تتمّ، وَلَو تمت مَا ساوت قتل نَفسِي، وَأَقْبَلت أبْكِي، وأدعو الله ﷿، وَأَتُوب، وأنذر النذور، إِلَى أَن حملت الصناديق بِمَا فِيهَا، ليجاز بهَا فِي دَار الْخَلِيفَة، وَحمل صندوقي خادمان أَحدهمَا الْوَاسِطَة بيني وَبَينهَا.

وَهِي كلما اجتازت بطَائفَة من الخدم الموكلين بِأَبْوَاب الْحرم، قَالُوا: نُرِيد نفتش الصناديق، فتصيح على بَعضهم، وتشتم بَعضهم، وتداري بَعضهم.

إِلَى أَن انْتَهَت إِلَى خَادِم ظننته رَئِيس الْقَوْم، فخاطبته بخضوع وذلة، فَقَالَ لَهَا: لَا بُد من فتح الصناديق وَبَدَأَ بصندوقي فأنزله.

فحين أحسست بذلك ذهب عَقْلِي، وَغَابَ عَليّ أَمْرِي، وبلت فِي الصندوق فرقا، فَجرى بولِي حَتَّى خرج من خلله.

فَقَالَت: يَا أستاذ، أهلكتني، وأهلكت التُّجَّار، وأفسدت علينا مَتَاعا بِعشْرَة آلَاف دِينَار فِي الصندوق مَا بَين ثِيَاب مصبغات، وقارورة فِيهَا أَرْبَعَة أمنان من مَاء زَمْزَم، قد انقلبت وَجَرت على الثِّيَاب، والساعة تستحيل ألوانها.

فَقَالَ: خذي صندوقك، أَنْت وَهُوَ، إِلَى لعنة الله، ومري.

فَحمل الخادمان صندوقي، وأسرعا بِهِ، وتلاحقت الصناديق.

فَمَا بَعدنَا سَاعَة حَتَّى سَمعتهَا تَقول: ويلاه، الْخَلِيفَة، فَعِنْدَ ذَلِك مت، وَجَاءَنِي مَا لم أحتسبه.

فَقَالَ لَهَا الْخَلِيفَة: والك، يَا فُلَانَة، أَي شَيْء فِي صناديقك؟

فَقَالَت: ثِيَاب للسيدة.

فَقَالَ: افتحيها حَتَّى أَرَاهَا.

فَقَالَت: يَا مولَايَ، السَّاعَة تفتحها ستنا بَين يَديك.

فَقَالَ: مري، هوذا أجي.

فَقَالَت للخدم: أَسْرعُوا، وَدخلت حجرَة، ففتحت صندوقي، وَقَالَت: اصْعَدْ تِلْكَ الدرجَة، فَفعلت، وَأخذت بعض مَا فِي تِلْكَ الصناديق، فَجَعَلته فِي صندوقي، وأقفلته.

وَجَاء المقتدر، فَحملت الصناديق إِلَى بَين يَدَيْهِ، ثمَّ عَادَتْ إِلَيّ، فطيبت نَفسِي، وقدمت لي طَعَاما وَشَرَابًا، وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ، وأقفلت الْحُجْرَة، وَمَضَت.

فَلَمَّا كَانَ من غَد جَاءَتْنِي، فَصَعدت إِلَيّ، وَقَالَت: السَّاعَة تَجِيء السيدة لتراك، فَانْظُر كَيفَ تكون؟ فَمَا كَانَ بأسرع من أَن جَاءَت السيدة، فَجَلَست على كرْسِي، وَفرقت جواريها، وَلم يبْق مَعهَا غير وَاحِدَة مِنْهُنَّ، ثمَّ أنزلتني الْجَارِيَة.

فحين رَأَيْت السيدة قبلت الأَرْض، وَقمت فدعوت لَهَا.

فَقَالَت لجاريتها: نعم مَا اخْتَرْت لنَفسك هُوَ، وَالله، كيس، عَاقل، ونهضت.

فَقَامَتْ مَعهَا صَاحِبَتي وتبعتها، وَأَتَتْ إِلَيّ بعد سَاعَة، وَقَالَت:

أبشر فقد، وَالله، وَعَدتنِي أَن تزَوجنِي بك، وَمَا بَين أَيْدِينَا عقبَة إِلَّا الْخُرُوج.

فَقلت: يسلم الله تَعَالَى.

فَلَمَّا كَانَ من غَد حَملتنِي فِي الصندوق، وَخرجت كَمَا دخلت، وَكَانَ الْحِرْص على التفتيش أقل، وَتركت فِي الْمَسْجِد الَّذِي حملت مِنْهُ فِي الصندوق، وَقمت بعد سَاعَة، ومضيت إِلَى منزلي، وتصدقت، ووفيت بنذري.

فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، جَاءَنِي الْخَادِم برقعتها، بخطها الَّذِي أعرفهُ، وكيس فِيهِ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار عينا، وَهِي تَقول فِي رقعتها: أَمرتنِي السيدة بإنفاذ هَذَا الْكيس من مَالهَا إِلَيْك، وَقَالَت: اشْتَرِ ثيابًا، ومركوبًا، وَغُلَامًا يسْعَى بَين يَديك، وَأصْلح بِهِ ظاهرك، وتجمل بِكُل مَا تقدر عَلَيْهِ، وتعال يَوْم الموكب إِلَى بَاب الْعَامَّة، وقف حَتَّى تطلب، وَتدْخل على الْخَلِيفَة، وتتزوج بِحَضْرَتِهِ.

فأجبت على الرقعة، وَأخذت الدَّنَانِير، واشتريت مِنْهَا مَا قَالُوهُ، واحتفظت بِالْبَاقِي.

وَركبت بغلتي يَوْم الموكب إِلَى بَاب الْعَامَّة، ووقفت، وَجَاءَنِي من استدعاني، فَأَدْخلنِي على المقتدر، وَهُوَ على السرير، والقضاة، والهاشميون، والحشم، قيام، فداخلتني هَيْبَة عَظِيمَة، فَخَطب بعض الْقُضَاة، وزوجني، وَخرجت.

فَلَمَّا صرت فِي بعض الممرات، عدل بِي إِلَى دَار عَظِيمَة، مفروشة بأنواع الْفرش الفاخر، والآلات، والخدم، فأجلست، وَتركت وحدي، وَانْصَرف من أجلسني.

فَجَلَست يومي لَا أرى من أعرف، وخدم يدْخلُونَ وَيخرجُونَ، وَطَعَام عَظِيم ينْقل، وهم يَقُولُونَ: اللَّيْلَة تزف فُلَانَة، اسْم زَوْجَتي، إِلَى زَوجهَا، هَاهُنَا.

فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْل أثر الْجُوع فِي، وأقفلت الْأَبْوَاب، وأيست من الْجَارِيَة، فَبَقيت أَطُوف فِي الدَّار، إِلَى أَن وَقعت على المطبخ، فَإِذا قوم طباخون جُلُوس، فاستطعمت مِنْهُم، فَلم يعرفوني، وظنوا أَنِّي بعض الوكلاء، فقدموا إِلَيّ زيرباجة، فَأكلت مِنْهَا، وغسلت يَدي بأشنان كَانَ فِي المطبخ، وَأَنا مستعجل لِئَلَّا يفْطن بِي، وظننت أَنِّي قد نقيت من رِيحهَا، وعدت إِلَى مَكَاني.

فَلَمَّا انتصف اللَّيْل إِذا بطبول، وزمور، والأبواب تفتح، وصاحبتي قد أهديت إِلَيّ، وَجَاءُوا بهَا فجلوها عَليّ، وَأَنا أقدر أَن ذَلِك فِي النّوم، وَلَا أصدق فَرحا بِهِ، وَقد كَادَت مرارتي تَنْشَق فَرحا وسرورًا، ثمَّ خلوت بهَا، وَانْصَرف النَّاس.

فحين تقدّمت إِلَيْهَا وقبلتها، رفستني فرمت بِي عَن المنصة، وَقَالَت: أنْكرت أَن تفلح يَا عَامي، أَو تصلح يَا سفلَة، وَقَامَت لتخرج.

فتعلقت بهَا، وَقبلت يَديهَا ورجليها، وَقلت: عرفيني ذَنبي، واعملي بعده مَا شِئْت.

فَقَالَت: وَيلك، تَأْكُل، وَلَا تغسل يدك؟ وَأَنت تُرِيدُ أَن تختلي بمثلي؟ فَقلت: اسمعي قصتي، واعملي مَا شِئْت بعد ذَلِك.

فَقَالَت: قل.

فقصصت عَلَيْهَا الْقِصَّة، فَلَمَّا بلغت أَكْثَرهَا، قلت: وَعلي، وَعلي، وَحلفت بأيمان مُغَلّظَة، لَا أكلت بعد هَذَا زيرباجة، إِلَّا غسلت يَدي أَرْبَعِينَ مرّة.

فَأَشْفَقت، وتبسمت، وصاحت: يَا جواري، فجَاء مِقْدَار عشر جواري ووصائف، فَقَالَت: هاتم شَيْئا للْأَكْل.

فَقدمت إِلَيْنَا مائدة حَسَنَة، وألوان فاخرة، من مَوَائِد الْخُلَفَاء، فأكلنا جَمِيعًا، واستدعت شرابًا، فشربنا، أَنا وَهِي، وغنى لنا بعض أُولَئِكَ الوصائف.

وقمنا إِلَى الْفراش، فَدخلت بهَا، وَإِذا هِيَ بكر، فافتضضتها، وَبت بليلة من ليَالِي الْجنَّة، وَلم نفترق أسبوعًا، لَيْلًا وَنَهَارًا، إِلَى أَن انْقَضتْ وَلِيمَة الْأُسْبُوع.

فَلَمَّا كَانَ من غَد، قَالَت لي: إِن دَار الْخَلِيفَة لَا تحْتَمل الْمقَام فِيهَا أَكثر من هَذَا، وَمَا تمّ لأحد أَن يدْخل فِيهَا بعروس غَيْرك، وَذَلِكَ لعناية السيدة بِي، وَقد أعطتني خمسين ألف دِينَار، من عين وورق، وجوهر، وقماش، ولي بِخَارِج الْقصر أَمْوَال وذخائر أضعافها، وَكلهَا لَك، فَاخْرُج، وَخذ مَعَك مَالا، واشتر لنا دَارا حَسَنَة، عَظِيمَة الاتساع، يكون فِيهَا بُسْتَان حسن، وَتَكون كَثِيرَة الْحجر،

وَلَا تضيق على نَفسك، كَمَا تضيق نفوس التُّجَّار، فَإِنِّي مَا تعودت أسكن إِلَّا فِي الْقُصُور، وَاحْذَرْ من أَن تبْتَاع شَيْئا ضيقا، فَلَا أسْكنهُ، وَإِذا ابتعت الدَّار، فعرفني، لأنقل إِلَيْك مَالِي، وجواري، وَأَنْتَقِلَ إِلَيْك.

فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة.

فَسلمت إِلَيّ عشرَة آلَاف دِينَار، فأخذتها، وأتيت إِلَى دَاري، واعترضت الدّور، حَتَّى ابتعت مَا وَافق اخْتِيَارهَا، فَكتبت إِلَيْهَا بالْخبر، فنقلت إِلَيّ تِلْكَ النِّعْمَة بأسرها، وَمَعَهَا مَا لم أَظن قطّ أَنِّي أرَاهُ، فضلا عَن أَنِّي أملكهُ، وأقامت عِنْدِي كَذَا وَكَذَا سنة، أعيش مَعهَا عَيْش الْخُلَفَاء، وأتجر فِي خلال ذَلِك، لِأَن نَفسِي لم تسمح لي بترك تِلْكَ الصَّنْعَة، وَإِبْطَال الْمَعيشَة، فتزايد مَالِي وجاهي، وَولدت لي هَؤُلَاءِ الشَّبَاب، وَأَوْمَأَ إِلَى أَوْلَاده، وَمَاتَتْ رَحمهَا الله، وَبَقِي عَليّ مضرَّة الزيرباجة، إِذا أكلتها، غسلت يَدي أَرْبَعِينَ مرّة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّالِث عشر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.