من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
ابْن أبي حَامِد صَاحب بَيت المَال يحسن إِلَى صيرفي
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وجدت هَذَا الْخَبَر مستفيضًا بِبَغْدَاد، وأخبرت بِهِ على جِهَات مُخْتَلفَة، وَهَذَا أبينها، وأصحها إِسْنَادًا، إِلَّا أنني أذكر بعض الطّرق الْأُخْرَى الَّتِي بلغتني: حَدثنِي أَحْمد بن عبد الله، قَالَ: حَدثنِي شيخ من دَار الْقطن بِبَغْدَاد، قَالَ: كَانَ لأبي بكر بن أبي حَامِد مكرمَة طريفة، وَهِي أَن رجلا يعرف بِعَبْد الْوَاحِد بن فلَان الصَّيْرَفِي، بَاعَ جَارِيَته، وَكَانَ يهواها، على أبي بكر بن أبي حَامِد، يَعْنِي صَاحب بَيت المَال، بِثَلَاث مائَة دِينَار.
فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْل، استوحش لَهَا وَحْشَة شَدِيدَة، ولحقه من الهيمان، والقلق، وَالْجُنُون، والأسف على فراقها، مَا مَنعه من النّوم، ولحقه من الْبكاء والسهر، مَا كَادَت تخرج نَفسه مَعَه.
فَلَمَّا أصبح خرج إِلَى دكانه يتشاغل بِالنّظرِ فِي أمره، فَلم يكن لَهُ إِلَى ذَلِك سَبِيل.
وَزَاد عَلَيْهِ القلق والشوق، فَأخذ ثمن الْجَارِيَة، وَجَاء إِلَى أبي بكر بن أبي حَامِد، فَدخل عَلَيْهِ، ومجلسه حافل، فَسلم، وَجلسَ فِي أخريات النَّاس، إِلَى أَن تقوضوا.
فَلَمَّا لم يبْق غَيره، أنكر ابْن أبي حَامِد حَاله، فَقَالَ لَهُ: إِن كَانَت لَك حَاجَة فاذكرها.
فَسكت، وَجَرت دُمُوعه، وشهق.
فرفق بِهِ ابْن أبي حَامِد، وَقَالَ لَهُ: قل، عافاك الله، وَلَا تستح.
فَقَالَ لَهُ: بِعْت أمس، جَارِيَة كَانَت لي، وَكنت أحبها، واشتريت لَك، أَطَالَ الله بَقَاءَك، وَقد أحسست بِالْمَوْتِ أسفا على فراقها.
وَأخرج الثّمن فَوَضعه بِحَضْرَتِهِ، وَقَالَ لَهُ: أَنا أَسأَلك أَن ترد عَليّ حَياتِي، بِأخذ هَذِه الدَّنَانِير، وإقالتي من البيع.
قَالَ: فَتَبَسَّمَ ابْن أبي حَامِد، وَقَالَ لَهُ: لما كَانَت بِهَذَا الْمحل من قَلْبك لم بعتها؟ فَقَالَ: أَنا رجل صيرفي، وَكَانَ رَأس مَالِي ألف دِينَار، فَلَمَّا اشْتَرَيْتهَا، تشاغلت بهَا عَن لُزُوم الدّكان، فَبَطل كسبي، وَكنت أنْفق عَلَيْهَا من رَأس المَال نَفَقَة لَا يحتملها حَالي، فَلَمَّا مَضَت مُدَّة، خشيت الْفقر، وَنظرت، فَإِذا أَنا لم يبْق معي من رَأس المَال إِلَّا الثُّلُث أَو أقل، وَصَارَت تطالبني من النَّفَقَة، بِمَا لَو أطعتها فِيهِ، ذهبت هَذِه الْبَقِيَّة، وحصلت على الْفقر.
فَلَمَّا منعتها، ساءت أخلاقها ونغصت عيشي، فَقلت أبيعها، وأدير ثمنهَا فِيمَا أختل من حَالي، وتستقيم عيشتي، وأستريح من أذاها، وأتصبر على فراقها، وَلم أعلم أَنه يلحقني هَذَا الْأَمر الْعَظِيم، وَقد آثرت الْآن الْفقر، وَأَن تحصل الْجَارِيَة عِنْدِي، أَو أَن أَمُوت، فَهُوَ أسهل عَليّ مِمَّا أَنا فِيهِ.
فَقَالَ ابْن أبي حَامِد: يَا فلَان، فجَاء خَادِم أسود.
فَقَالَ لَهُ: أخرج الْجَارِيَة الَّتِي اشْتريت لنا بالْأَمْس.
قَالَ: فأخرجت جاريتي.
فَقَالَ: يَا بني، إِن مثلي لَا يطَأ قبل الِاسْتِبْرَاء، وَوَاللَّه، مَا وَقعت عَيْني على الْجَارِيَة، مُنْذُ اشْتريت، إِلَّا السَّاعَة، وَقد وهبتها لَك فَخذهَا، وَخذ دنانيرك، بَارك الله لَك فيهمَا.
ثمَّ قَالَ للخادم: هَات ألف دِرْهَم، فجَاء بهَا.
فَقَالَ لِلْجَارِيَةِ: قد كنت عولت على أَن أكسوك، فجَاء من أَمر مَوْلَاك مَا رَأَيْت وَلم أر من الْمُرُوءَة مَنعه مِنْك، فَخذي هَذِه الدَّرَاهِم، واتسعي بهَا فِي نَفَقَتك، وَلَا تحملي مَوْلَاك مَا لَا يُطيق، فتحصلين عِنْد من لَا يعرف قدرك كمعرفته، وَلَك عَليّ ألف دِرْهَم فِي كل سنة، يَجِيء مَوْلَاك فيأخذها لَك، إِذا شكرك، وَرَضي طريقتك.
قَالَ: فَقَامَ الرجل، وَقبل يَدَيْهِ، وَجعل يبكي، وَيَدْعُو لَهُ.
وَلم يزل المَال واصلًا إِلَيْهِ فِي كل سنة، حَتَّى مَاتَ ابْن أبي حَامِد.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع