تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

رأى الْقطع خيرا من فضيحة عاتق

حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن بكر البسطامي، غُلَام ابْن دُرَيْد وصهره، قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن دُرَيْد، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن عُثْمَان العلى عَن أبي خَالِد عَن الْهَيْثَم بن عدي، قَالَ: كَانَ لعَمْرو بن دويرة السحيمي أَخ قد كلف بابنة عَم لَهُ كلفًا شَدِيدا، وَكَانَ أَبوهَا يكره ذَلِك ويأباه.

فَشَكَاهُ إِلَى خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي، أَمِير الْعرَاق، أَنه يسيء جواره، فحبسه، ثمَّ سُئِلَ خَالِد فِي أَمر الْفَتى، فَأَطْلقهُ، فَبَقيَ الْفَتى كلفًا بابنة عَمه، وَهُوَ ناء عَنْهَا مُدَّة.

ثمَّ زَاد مَا فِي نَفسه، فَحَمله الْحبّ على أَن تسور الْجِدَار عَلَيْهَا، وَحصل مَعهَا.

فأحس بِهِ أَبوهَا، فَقبض عَلَيْهِ، وأتى بِهِ خَالِد بن عبد الله، وَادّعى عَلَيْهِ اللصوصية، وَأَتَاهُ بِجَمَاعَة شهدُوا على أَنهم وجدوه فِي بَيته لَيْلًا، قد دخل للتلصص.

فَسَأَلَ خَالِد الْفَتى، فاعترف أَنه دخل ليَسْرِق، وَمَا سرق شَيْئا، يدْفع بذلك الفضيحة عَن ابْنة عَمه، فَأَرَادَ خَالِد أَن يقطعهُ.

فَرفع عَمْرو أَخُوهُ إِلَى خَالِد رقْعَة فِيهَا:

أخالد قد والله أوطيت عشوةوَمَا العاشق الْمَظْلُوم فِينَا بسارق
أقرّ بِمَا لم يَأْته غير أنّهرأى الْقطع خيرا من فضيحة عاتق
وَمثل الَّذِي فِي قلبه حلّ قَلبهَافمنّ لتجلو الهمّ عَن قلب عاشق
وَلَوْلَا الَّذِي قد خفت من قطع كفّهلألفيت فِي أمريهما غير نَاطِق
إِذا مدّت الغايات للسبق فِي العلىفَأَنت ابْن عبد الله أوّل سَابق

قَالَ: فَأرْسل خَالِد مولى لَهُ يسْأَل عَن الْخَبَر، ويفحص جلية الْأَمر، فَأَتَاهُ بِصَحِيح مَا قَالَه عَمْرو فِي شعره.

فأحضر أَبَا الْجَارِيَة، وَأمره بتزويجها من الْفَتى، فَامْتنعَ، وَقَالَ: لَيْسَ هُوَ كُفْء لَهَا.

فَقَالَ لَهُ خَالِد: وَالله، إِنَّه لكفء لَهَا، إِذْ بذل يَده عَنْهَا، وَإِن لم تزَوجه طَائِعا لأزوجنه وَأَنت كَارِه.

فَزَوجهُ الْعم، وسَاق خَالِد الْمهْر من عِنْده، فَكَانَ يُسمى العاشق، إِلَى أَن مَاتَ.

وجدت فِي كتاب العمرين، لمُحَمد بن دَاوُد الْجراح الْكَاتِب، وَهُوَ رِسَالَة كتب بهَا إِلَى أبي أَحْمد يحيى بن عَليّ بن المنجم، فِيمَن يُسمى من الشُّعَرَاء: عمرا، فَقَالَ: عَمْرو بن دويرة البَجلِيّ، سحيمي، كُوفِي، أَخْبرنِي أَحْمد بن أبي عَلْقَمَة، عَن دعيل بن عَليّ، وَذكر أَبُو طَالب بن سوَادَة، عَن مُحَمَّد بن الْحسن الْجَعْفَرِي، عَن الْحسن بن يزِيد الْقرشِي، عَن أبي بكر الْوَالِبِي، قَالَ: كَانَ لعَمْرو بن دويرة، أَخ قد كلف بابنة عَم لَهُ.. وَذكر نَحوه، إِلَّا أَنه أَتَى فِي الشّعْر بِزِيَادَة بَيت، وَهُوَ بعد الْبَيْت الَّذِي أَوله:

أقرّ بِمَا لم يَأْته

وَمثل الَّذِي فِي قلبه حلّ قَلبهَافَكُن أَنْت تجلو الْهم عَن قلب وامق

وأخبرنيه مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن الْقرشِي، قَالَ: أَخْبرنِي الحرمي بن أبي الْعَلَاء، عَن الزبير بن بكار، فَذكره مَعَ الْبَيْت الزِّيَادَة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّالِث عشر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.